الفرس، فقام أمية وقال لعمر: يا أمير المؤمنين هذا اليوم من أيامي لولا كبر سني، فقام إليه ابنه كلاب وكان عابدًا زاهدًا فقال: لكني يا أمير المؤمنين أبيع لله نفسي وأبيع دنياي بآخرتي!! فتعلق به أبوه وكان في ظل نخل، وقال: لا تدع أباك وأمك شيخين ضعيفين ربَّياك صغيرًا حتى إذا احتاجا إليك تركتهما. فقال: نعم أتركهما لما هو خير لي! فخرج عازيًا بعد أن أرضى أباه فأبطأ، وكان أبوه في ظل نخل له، وإذا حمامة تدعو فرخها، فرآها الشيخ فبكى، فرأته العجوز فبكت ثم أنشأ يقول شعرًا يبكي فيه ابنه، ويصف حاله بعده وحبه له.
فكتب عمر برد كلاب إلى المدينة. فلما قدم ودخل عليه، قال له عمر: ما بلغ من برّك بأبيك؟ قال: كنت أوثره وأكفيه أمره، وكنت إن أردت أن أحلب له لبنًا أجيء إلى أغزر ناقة في إبله، فأريحها وأتركها حتى تستقر، ثم أغسل أخلافها (ضروعها) حتى تبرد ثم أحلب له فأسقيه! فبعث عمر إلى أمية فجاءه فدخل عليه وهو يتهادى وقد ضعف بصره وانحنى، فقال له: كيف أنت يا أبا كلاب؟ فقال له: كما ترى يا أمير المؤمنين فقال: يا أبا كلاب، ما أحب الأشياء إليك اليوم؟ قال: ما أحب اليوم شيئًا، ما أفرح بخير ولا يسوؤني شر. فقال عمر: بل على ذلك - أي مع ذلك أخبرني -.
قال: بلى، كلاب .. أحب أنه عندي فأشمه شمة وأضمه ضمة قبل أن أموت .. فبكى عمر! قال عمر: ستبلغ ما تحب إن شاء الله تعالى .. ثم أمر كلابًا أن يحلب لأبيه ناقة كما كان يفعل ويبعث بلبنها إليه ففعل وناوله عمر الإناء وقال: اشرب يا أيا كلاب. فأخذه فلما أدناه من فيه قال: والله يا أمير المؤمنين إني لأشم رائحة يدي كلاب! فبكى عمر وقال له: هذا