إلى إبراهيم الحربي لأبثه ما أنا فيه، فقال لي: لا يضيق صدرك، فإن الله من وراء المعونة، وإني أضقت مرة حتى انتهى أمري في الإضافة إلى أن عدم عيالي قوتهم!
فقالت لي الزوجة: هب أني وإياك نصبر، فكيف نصنع بهاتين الصبيتين؟ فإنهما لا تصبران على ما نصبر عليه، فهات شيئًا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه! ونتفرج به فضننت بذلك، وشحت نفسي بالكتب، وقلت لها: اقترضي لهما شيئًا وأنظريني بقية اليوم والليلة.
وكان لي بيت في دهليز داري فيه كتبي، فكنت أجلس فيه للنسخ والنظر، فلما كان في تلك الليلة إذا داقٌّ يدقُّ الباب، فقلت من هذا؟ فقال: رجلٌ من الجيران، فقلت: أدخل، فقال: أطفئ السراج حتى أدخل، فكببت على السراج شيئًا، وقلت: أدخل فدخل الدهليز فوضع فيه صرة كبيرة، وقال لي: إنا أصلحنا لصبياننا طعامًا، فأحببنا أن يكون لك وللصبيان فيه نصيب، وهذا شيء آخر، فوضعه إلى جانب الصرة الكبيرة، وقال: تصرفه في حاجتك، وأنا لا أعرف الرجل وتركني انصرف.
فدعوت الزوجة وقلت لها: أسرجي السراج، فأسرجته وجاءت، وإذا الصرة منديل له قيمة، وفيه خمسون وسطًا، في كل وسط لون من طعام، وإلى جانب الصرة كيس فيه ألف دينار، فقلت للزوجة: أنبهي الصبيان حتى يأكلوا، ولما كان الغد قضينا دينًا كان علينا من ذلك المال.
وكان وقت مجيء الحاج من خراسان، فجلست على باب داري من غد تلك الليلة، إذا جمَّال يقود جملين عليهما حملان ورقًا خراسانيًّا، وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربي، فانتهى إليَّ، فقلت أنا إبراهيم الحربي، فحط الحملين، وقال: هذان الحملان أنقذها لك رجل من أهل خراسان،