وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئا قيمته درهم وتخلصه حتى تخرجه من بغداد. قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة فصيرني في مكان يثق به وتفرغ العباس لنفسه واغتسل وتحنط وتكفن. قال العباس: فلم أفرغ من ذلك حتى وافتني رسل المأمون في السحر وقالوا: أمير المؤمنين يقول هات الرجل، فسكت وأتيت الدار وإذا أمير المؤمنين جالس عليه ثيابه أمام فراشه، فقال: الرجل! فسكت، فقال: ويحك الرجل! فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني، فقال: أعطي الله عهدًا لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك! فقلت: لا والله ما هرب، فاسمع مني حديثي وحديثه ثم أنت أعلم بما تفعله في أمرنا، قال: قل، فقلت: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كذا وكذا، وقصصت عليه القصة وعرفته أني كنت أريد مكافأته فشغلت عن ذلك حتى إذا كان البارحة عرفته وعبرت به جسر الأنبار وقلت: أنا من سيدي أمير المؤمنين بين أمرين، إما يصفح عني وإما قتلني وأكون قد كافيته ووقيته بنفسي كما وقاني بنفسه!! فلما سمع المأمون الحديث قال: ويحك! لا جزاك الله خيرا عن نفسك وعنا وعن هذا الفتى الحر، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة وتكافيه بعد المعرفة بهذا! لم لا عرفتني خبره فكنت أكافيه عنك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنه والله ها هنا قد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتيج إلى حضوره حضر، قال: وهذه والله منه أعظم من الأولى، فاذهب إليه الآن وطيب نفسه وسكن روعه وتعبر به إليَّ حتى أتولى مكافأته عنك، فصرت إليه وقلت: ليسكن روعك إن أمير المؤمنين قال: كيت وكيت، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء غيره، ثم تهيأ للصلاة فصلى ركعتين ثم جئنا فلما مثل بين يدي المأمون أدناه حتى أجلسه إلى جانبه