فقال: {ما كان الله ليذر} اللام لتأكيد النفي والخطاب فِي {أنتم} للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق . خوطبوا بأنه ما كان فِي حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض . وماز وميَّز لغتان . مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً ، وميّزته تمييزاً . وفي الحديث"من مازأذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة"ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع المنافقين من المؤمنين ، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته ، فإن الميز يقع على الأدون والأهون . وبم يحصل هذا الميز؟ قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج مع ما بهم من القروح ، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل . وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله . وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي} أي يصطفي ويختار {من رسله من يشاء} وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله تعالى بعلمه لا يليق بكل منكم ، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده . الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه ، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله تعالى إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق . الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته . {فآمنوا بالله ورسله} ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب ، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى . ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن