قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ النَّصِّ عَلَى أَنَّ الْبُخْلَ الْمَذْمُومَ هُنَا هُوَ الْبُخْلُ بِمَا يَجِبُ بَذْلُهُ مِمَّا يَتَفَضَّلُ اللهُ بِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ ، هِيَ أَنَّ فِي الْعُمُومِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِي النَّفْسِ مَا لَيْسَ لِلتَّخْصِيصِ ، وَهَذِهِ السُّورَةُ مُتَأَخِّرَةٌ فِي النُّزُولِ ، وَكَانَتْ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ إِذَا أُنْزِلَتْ مُقَرِّرَةً ، فَإِذَا طَرَقَ سَمْعَ الْمُؤْمِنِ هَذَا الْقَوْلُ تَذَكَّرَ فَضْلَ اللهِ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا لِلنَّاسِ ، وَأَنَّ هَذَا الْخِطَابَ يُذَكَّرُ بِهِ ، سَوَاءٌ مِنْهُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مُعَيَّنٌ ، وَمَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَلَا مُعَيَّنٍ ، بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِهِ الَّذِي يَتْبَعُ عَاطِفَةَ الْإِيمَانِ . وَإِنَّمَا نَفَى أَوَّلًا كَوْنَهُ خَيْرًا ، ثُمَّ أَثْبَتَ كَوْنَهُ شَرًّا مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا يُمَارَى فِيهِ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ لِلْحَقِّ إِنَّمَا يَمْنَعُهُ لِأَنَّهُ يَحْسَبُ أَنَّ فِي مَنْعِهِ خَيْرًا لَهُ لِمَا فِي بَقَاءِ الْمَالِ فِي الْيَدِ مَثَلًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِالتَّمَتُّعِ بِاللَّذَّاتِ ، وَدَفْعِ الْغَوَائِلِ ، وَالْآفَاتِ ، وَتَوَهُّمِ التَّمَكُّنِ مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ التَّحْدِيدَ كَانَ أَوْضَحَ ، وَأَنْفَى لِلْإِيهَامِ . قُلْنَا: إِنَّ الْقُرْآنَ كِتَابُ هِدَايَةٍ ، وَوَعْظٍ يُخَاطِبُ الْأَرْوَاحَ لِيَجْذِبَهَا إِلَى