وَأَقُولُ: إِيضَاحُ النُّكْتَةِ فِي جَعْلِ الْبَيَانِ لِلنَّاسِ كَافَّةً ، وَالْهُدَى وَالْمَوْعِظَةِ لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً هُوَ بَيَانُ أَنَّ الْإِرْشَادَ عَامٌّ ، وَأَنَّ جَرَيَانَ الْأُمُورِ عَلَى السُّنَنِ الْمُطَّرِدَةِ حُجَّةٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ ، تَقِيِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ ، وَهِيَ تَدْحَضُ مَا وَقَعَ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الشُّبْهَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ إِذْ قَالُوا: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللهِ لَمَا نِيلَ مِنْهُ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ سُنَنَ اللهِ حَاكِمَةٌ عَلَى رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ كَمَا هِيَ حَاكِمَةٌ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ . فَمَا مِنْ قَائِدِ عَسْكَرٍ يَكُونُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فِي أُحُدٍ ، وَيُعْمَلُ مَعَهُ مَا عَمِلُوا إِلَّا وَيُنَالُ مِنْهُ ; أَيْ يُخَالِفُهُ جُنْدُهُ ، وَيَتْرُكُونَ حِمَايَةَ الثَّغْرِ الَّذِي يُؤْتَوْنَ مِنْ قِبَلِهِ ، وَيُخَلُّونَ بَيْنَ عَدُوِّهِمْ وَبَيْنَ ظُهُورِهِمْ وَمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِخَطِّ الرَّجْعَةِ مِنْ مَوَاقِعِهِمْ وَالْعَدُوُّ مُشْرِفٌ عَلَيْهِمْ إِلَّا وَيَكُونُونَ عُرْضَةً لِلِانْكِسَارِ إِذَا هُوَ كَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَشَلٍ وَتَنَازُعٍ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ ، فَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ لِلَّهِ - تَعَالَى - سُنَنًا فِي الْأُمَمِ هُوَ بَيَانٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ لِاسْتِعْدَادِ كُلِّ عَاقِلٍ لِفَهْمِهِ ، وَاضْطِرَارِهِ إِلَى قَبُولِ الْحُجَّةِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ يَتْرُكَ النَّظَرَ أَوْ يُكَابِرَ وَيُعَانِدَ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ هُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً فَهُوَ أَنَّهُمْ هُمُ