هَذَا مَا كَانُوا يَظُنُّونَ فِي دِينِهِمْ وَيُسْنِدُونَهُ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ الْمُطْلَقَةِ ، مِنْ غَيْرِ تَفْكِيرٍ فِي حِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ ، وَتَطْبِيقِهَا عَلَى سُنَنِهِ الْعَادِلَةِ ، فَإِنْ نَبَّهَهُمْ مُنَبِّهٌ إِلَى مَا يُصِيبُهُمْ بَلْ مَا أَصَابَ أَنْبِيَاءَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ ، قَالُوا إِنَّهُ - تَعَالَى - يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَذَلِكَ رَفْعُ دَرَجَاتٍ أَوْ تَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَأَشْبَاهُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ حَقُّهُ بِبَاطِلِهِ ، وَيَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ حَالِيهِ بِعَاطِلِهِ ، وَقَدْ كَانَ وَمَا زَالَ عِلَّةَ غُرُورِ أَصْحَابِهِ بِدِينِهِمْ ، وَاحْتِقَارِهِمْ لِكُلِّ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ ، فَجَاءَ الْقُرْآنُ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ - تَعَالَى - فِي خَلْقِهِ إِنَّمَا تَنْفُذُ عَلَى سُنَنٍ حَكِيمَةٍ وَطَرَائِقَ قَوِيمَةٍ ، فَمَنْ سَارَ عَلَى سُنَّتِهِ فِي الْحَرْبِ - مَثَلًا - ظَفِرَ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَإِنْ كَانَ مُلْحِدًا أَوْ وَثَنِيًّا ، وَمَنْ تَنَكَّبَهَا خَسِرَ وَإِنْ كَانَ صِدِّيقًا أَوْ نَبِيًّا ، وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ انْهِزَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ حَتَّى وَصَلَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَجُّوا رَأْسَهُ ، وَكَسَرُوا سِنَّهُ ، وَأَرْدَوْهُ فِي تِلْكَ الْحُفْرَةِ ; كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي الْآيَاتِ اللَّاحِقَةِ ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ أَجْدَرُ النَّاسِ بِمَعْرِفَةِ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الْأُمَمِ ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالسَّيْرِ عَلَى طَرِيقِهَا بَيْنَ الْأُمَمِ ; لِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -