وإن لم يكن عَضّ أنامل محسوساً، ولكن كنّي به عن لازمه فِي المتعارف، فإنّ الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال، فقد تكون مُعِينة على دفع انفعاله كقتل عدوّه، وفي ضدّه تقبيل من يحبّهُ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله، كتخبّط الصّبي فِي الأرض إذا غضب، وضَرب الرجل نفسه من الغضب، وعضّه أصابعه من الغيظ، وقرعه سنّه من النَّدم، وضرب الكفّ بالكفّ من التحسّر، ومن ذلك التأوّه والصّياح ونحوها، وهي ضروب من علامات الجزع، وبعضها جبلّي كالصياح، وبعضها عادي يتعارفه النَّاس ويكثر بينهم، فيصيرون يفعلونه بدون تأمّل، وقال الحارث بن ظالم المري:
فأقبل أقوام لئام أذلّة ... يعضّون من غيظ رؤوس الأباهم
وقوله: {عليكم} على فيه للتَّعليل، والضّمير المجرور ضمير المسلمين، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معيّنة، أي على التئامكم وزوال البغضاء، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] ، ونظير هذا التعليق قول الشاعر:
لتقرعِنّ على السنّ من ندم ... إذا تذكرتِ يوما بعضَ أخلاقي
و {من الغيظ} (من) للتعليل.
والغيظ: غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 202 - 203}