وإنما دعاهم بقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} ؛ للمبالغة في تقبيح كفرهم؛ فإِن من كان على بينة من كتاب الله: تهدى إلى الحق - يكون كفره أشد قبحًا من غيره. فقد جاءَ في كتابهم من الأمارات الواضحة، ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم , وصحة نبوته، إذ كانوا يتحدثون بذلك قبل بعثته. فلما بُعثَ، تفرقوا واختلفوا.
وقد ختمت الآية بقوله عز وجلٌ:
{وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} :
لتشديد التوبيخ، وتأكيد الإِنكار عليهم، وتهديدهم على هذا الكفر القبيح.
99 - {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ. . .} الآية.
وهذا أَمْرٌ آخر من الله لنبيه، صلى الله عليه وسلم , بتوبيخهم على الإِضلال، إِثر أَمره إياه بتوبيخهم على الضلال.
وتكرير الخطاب {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} : لتأْكيد المبالغة في التوبيخ؛ لأن ذلك العنوان - كما يستدعى منهم الإِيمان بما هو مصدق لما معهم - يستدعى منهم كذلك، دعوة الناس إليه، وترغيبهم فيه. فصدهم عنه - بعد كفرهم به، وهم يعلمون أنه حق - في أَقصى مراتب القبح، وأبعد درجات الجحود. إذ لم يكتفوا بكفرهم وضلالهم، بل أَمعنوا في الإِضلال وأَوغلوا في الفتنة، فاحتالوا لفتنة المسلمين، وصَدِّ من يريد الإِسلام. عن الدخول فيه. وادعوا أَن صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ليست في كتبهم، ولا وجدت البشارة به عندهم.
ثم أفصح عن غايتهم من جحودهم وكفرهم، فقال سبحانه مِنْ قائل:
{تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} :
أي تريدون أَن تكون سبيل الله معوجة، وأنتم تشهدون أنها لا تحوم حولها شائبة اعوجاج.
ثم ختم الآية بقوله تعالى:
{وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} : وفي هذا من التهديد والوعيد ما لا يخفى.
ولمَّا كان كفرهم صريحًا ظاهرًا، ختمت الآية الأُولى بشهادة الله تعالى على ما يعملون.
ولما كان صدهم للمؤمنين، بطريق السر والخفية، ختمت الآية الثانية بما يحسم حيلتهم من إِحاطة علمه - سبحانه وتعالى - بأعمالهم.