فإذا حققت ذلك, فاعلم أن مراد القائلين: لا تقبل توبته أن أفعاله دالة على خبث نيته وفساد عقيدته, وأنه ليس تائبا فِي الباطن توبة نصوح, فهم موافقون على أن التوبة النصوح مناط القبول كما ذكرنا, ولكن يقولون: أفعال هذا الخبيث دلّت على عدم تحقيق المناط فيه, ومن هنا اختلفت العلماء فِي توبة الزنديق المستتر بالكفر, فمن قائل: لا تقبل توبته, ومن قائل: تقبل, ومن مفرق بين إتيانه تائبا قبل الإطلاع عليه وبين الإطلاع على نفاقه قبل التوبة, كما هو معروف فِي فروع المذاهب الأربعة ؛ لأن الذين يقولون: يقتل ولا تقبل توبته يرون أن نفاقه الباطن دليل على أن توبته تقية لا حقيقة, واستدلوا بقوله تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا} , فقالوا: الإصلاح شرط والزنديق لا يُطَّلَعُ على إصلاحه ؛ لأن الفساد أتى مما أسرَّهُ, فإذا اطلع عليه وأظهر الإقلاع لم يزل فِي الباطن على ما كان عليه.
والذي يظهر أن أدلة القائلين بقبول توبته مطلقا أظهر وأقوى كقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة رضي الله عنه:"هلاّ شققت على قلبه", وقوله للذي ساره فِي قتل رجل قال:"أليس يصلي ؟"قال:"بلى", قال:"أولئك الذين نهيت عن قتلهم", وقوله - لخالد لما استأذنه فِي قتل الذي أنكر القسمة -:"إني لم أؤمر أن أنقِّبَ عن قلوب الناس", وهذه الأحاديث فِي الصحيح, ويدل لذلك أيضا: إجماعهم على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر, وقد نصّ تعالى على أن الأَيْمان الكاذبة جُنّةٌ للمنافقين فِي الأحكام الدنيوية بقوله: {اتخذوا أيمانهم جنة} , وقوله: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتُعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم فإنهم رجس} , وقوله: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم} الآية, إلى غير ذلك من الآيات.