ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى فِي الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد: أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم ، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله: {والله} أي الذي له الكمال كله {لا يهدي القوم الظالمين} أي الغريقين فِي الظلم لكونه جبلهم على ذلك ، تحذيراً من مطلق الظلم ، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {جزاؤهم أن عليهم لعنة الله} أي الملك الأعظم ، وهي غضبه وطرده {والملائكة والناس أجمعين} حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم ، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر ، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء فِي غير محله ، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيئ ، وحذراً من فعل مثل ذلك معه {خالدين فيها} أي اللعنة دائماً.
ولما كان المقيم فِي الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله: {لا يخفف عنهم العذاب} مفيداً أن عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة.
ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتاً ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله: {ولا هم ينظرون} أي يؤخرون للعلم بحالهم باطناً وظاهراً حالاً ومآلاً ، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه ، لم يترك شيء نمها لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان.