82 -قوله تعالى: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} هذا شرط؛ وقد ذكرنا أن الفعل الماضي معناه: الاستقبال في الشرط والجزاء، وإنما جاز وقوع الماضي موقع المستقبل في الجزاء؛ لأن حرف الجزاء لمّا كان يعمل في الفعل، قوي على نقله من معنى المضي إلى الاسقبال، وذلك إشارة إلى أخذ الميثاق.
قال ابن عباس: يريد: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه.
وقال الزجاج: فمن تولى؛ أي: أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق، وظهور آيات النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} دخلت الفاء في (أولئك) ؛ لأنه جواب الشرط؛ وإنما تدخل الفاءُ في جواب الشرط؛ لأن الثاني يجب بوجود الأول بلا فصل؛ كقولك: (إنْ تأتِنِي فَلَكَ درهمٌ) ، فوجوب الدرهم، بالإتيان عقيبَه بلا فصل؛ فلذلك جاء بالفاء.
و {أُولَئِكَ} : ابتداء؛ و {هُمُ} : ابتداءً ثانٍ، و {الْفَاسِقُونَ} : خبره، و {هُمُ} مع خبره: خَبَرُ {أُولَئِكَ} ، ويصلح أن يكون {أُولَئِكَ} : ابتداء؛ و {الْفَاسِقُونَ} : خبرَهُ، و {هُمُ} : عِمَاد وفَصْلٌ؛ لا موضع له. ومعنى (الفاسقين) ههنا؛ أي: الذين خرجوا عن القصد، وعن جملة الإيمان. قاله الزجاج.
83 -قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} دخلت الفاءُ في {أَفَغَيْرَ} لأنه عطف جملة على جملة، وكذلك لو قيل: (أَوَغَير) ، إلّا أَنَّ الفَاءَ تُرتِّبُ؛ كأنه قيل: أَبَعد أَخْذِ الميثاق، غَيرَ دينِ الله يبغون؟.
واختلفوا في الياءِ والتّاءِ، من قوله: {تَبغُون} :
فمن قرأ بالتاء؛ فلأن ما قبله خطاب؛ كقوله: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ} .
ومن قرأ بالياء؛ فوجهه: أن الله تعالى أخبر في الآية السابقة، عن أخذ الميثاق على اليهود والنصارى وغيرهم، فلما كفروا، أخبر عنهم على جهة الاستنكار، فقال: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} .