قال ابن قتيبة: أصله: أن المطالب للشيء ، يقوم فيه ويتصرف، والتارك له يقعد عنه. دليله: قوله [عز وجل] : {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران:113] ؛ أي: عاملة بأمر الله، غير تاركة. ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: (قامَ به) ، وإن لم يكن ثَمَّ قيامٌ. ومثله قال ابن الأنباري وأنشد للأعشى:
يقومُ على الوَغْمِ في قومِهِ ... فَيَعْفُو إذا شاءَ أوْ يَنْتَقِمْ
أراد: يحققه ويتمسك بالمطالبة به، وليس ثَمَّ قيامٌ على الرِّجْل.
وقال أبو علي الفارسي: (القيام) في اللغة بمعنى: الدوام والثبات. وذكرنا ذلك في قوله: {يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] . ومِنْ هذا قولُه: {دِينًا قِيَمًا} ؛ أي: دائمًا ثابتًا، لا يُنسَخ كما نُسِخت الشرائعُ التي قبله.
فمعنى قوله: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} ؛ أي: دائمًا ثابتًا في اقتضائك له، ومطالبتك إياه.
ومن المفسرين من يجعل القيام ههنا حقيقةً. قال السدِّي: يعني: إلا ما دمت قائمًا على رأسهِ، بالاجتماع معه، والملازمةِ له. وهو اختيار أبي رَوْق؛ قال: [يعترِف بما] دفعت إليه، ما دمت قائمًا على رأسه، [فإنْ أنظرته وأخَّرت] ، أنكر وذهب به. والقول الأول: اختيار الفراء والزجاج.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} أي: ذلك الاستحلال والخيانة، بأنهم يقولون: ليس علينا فيما اؤتُمِنَّا من أموال العرب سبيل؛ [لأنهم مشركون. فـ (الأميُّون) على هذا القول: العرب كلهم] . وهو قول قتادة والسدِّي.
وكانت اليهود تستحل ظلم من خالفهم في دينهم، وتقول: لا حرج علينا في جنس أموال العرب، قد أحلها الله لنا؛ لأنهم ليسوا على ديننا.