إننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل الأمرين المزينين ، واحداً يستهل به الآية ، والأمر الآخر يأتي فِي آخر الآية ، ولنقرأ الآية التي فيها التزيين: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}
إن البداية هي النساء ، ذلك هو القوس الأول ، والنهاية هي الحرث وذلك هو القوس الثاني ، وبين القوسين بقية الأشياء المزينة ، وقد أعطانا الله عوض القوسين ، وأوضح لنا إنهما هما الخير الْمُصَعَّد ، ولم يورد بقية الأشياء المزينة ، وهذا يعني أن نفهم ذلك فِي ضوء أن الرزق ما به انتُفِعَ ، أي أن كل ما ينتفع به الإنسان رزق ، الخُلُق الطيب رزق, سماع العلم رزق ، أدب الإنسان رزق ، حلم الإنسان رزق ، صدق الإنسان رزق ، ولكن الرزق يأتي مرة مباشرا بحيث تنتفع به مباشرة ، ومرة أخرى يأتي الرزق لكنه لا ينفع مباشرة ، بل قد يكون سببا ووسيلة لما ينفع مباشرة.
مثال ذلك الخبز ، إنه رزق مباشر ، والنقود هي رزق ، لكنها رزق غير مباشر ؛ لأن الإنسان قد يكون جائعاً وعنده جبل من الذهب فلو قال واحد لهذا الإنسان: خذ رغيفا مقابل جبل من الذهب. سيعطي الإنسان الجائع جبل الذهب مقابل الرغيف ؛ لأن الإنسان لا يأكل الذهب ، وكذلك كوب الماء بالنسبة للعطشان.
إذن فهناك رزق لا يطلب لذاته ، ولكن يطلبه الإنسان لأنه وسيلة لغيره فالوسيلة لغيره أنت لن تحتاج إليها فِي الآخرة ؛ لأنك ستعيش ببدل الأسباب بقول الحق:"كن". فالإنسان لن يحتاج فِي الجنة إلى مال. أو قناطير مقنطرة من الذهب والفضة ؛ لأن كل ما تشتهيه النفس ستجده ، ولن تحتاج فِي الآخرة إلى خيل مسومة ؛ لأنك لن تجاهد عليها أو تتلذذ وتستأنس بركوبها.