وقال الموزعي: الباء بمعنى (على) بدليل قوله تعالى: (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) وقول الشاعر:
أربٌّ يبول الثُّعلُبان برأسه ... لقد ذَل مَن بالت عليه الثعالب
ويرى الجمل: في هذه الباء ثلاثة أوجه:
إحداها: أنها على أصلها من الإلصاق وفيه قلق.
وثانيها: أنها بمعنى (في) ولا بد من حذف مضاف أي في حفظ دينار.
وثالثها: أنها بمعنى (على) وقد عدي بها كثيرا.
وقال الرازي: يقال أمنته بكذا وعلى كذا. فمعنى الباء: إلصاق
الأمانة، ومعنى على: استعلاء الأمانة. وقيل أمنتك بدينار: وثقت بك فيه، وأمنتك عليه جعلتك أمينا عليه وحافظا له.
أقول: ميزان اللَّه واحد وعند أهل الكتاب وخاصة يهود موازين، فهم يجعلون للتعامل مقاييس، فالأمانة هي بين يهود فقط، أما غيرهم من الأميين يعني العرب وسواهم فلا حرج عليهم في أكل أموالهم والتدليس عليهم واستغلالهم.
فـ (تأمن) تضمن معنى (تبلو وتختبر) وهذا يتعدى بالباء. وفي تضمينه هذا أنك وضعته موضع التجربة والاختبار: فيكون موضع الثقة حين يؤديه إليك، كما يكون خائنا فلا يؤديه إليك، والأمانة تنكشف لنا بالتعامل أي بالابتلاء والاختبار. فهما وسيلة من وسائل كشفها ومعرفتها، فكان الباء جاءت منبهة ألا نضع الثقة في أحد إلا بعد تجربة واختبار، والآية تضع قانونا للتعامل التجاري موجزا في هذه العبارة: لا وثوق إلا بعد تجربة ولا أمن إلا بعد اختبار.
والتضمين في الفعل أكشف لسفور المعنى وأنصع من إجرائه في الحرف، ولو أخذنا بتضمين الحروف لغفلنا عن جوهر البيان وخفاياه. ولو جاء التعبير بتبلو وتختبر بدلا من تأمن لاحتبس في منظور ضيق. وإنما الأمانة يسرح فيها النظر إلى غير نهاية. فالتضمين جمع المعنيين: الأمانة مع الاختبار فأغنى وأثرى. فاستعن به واستروح إليه لتُجيد الغَوصَ في لُجج المعاني.
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)
ذكر أبو حيان: بأن القول الكذب يفترونه على اللَّه بادعائهم أن ذلك في كتابهم ويتعلق (على الله) بـ (يقولون) بمعنى يفترون.