وها هنا تولت الآيات الكريمة عرضا لشهوات الدنيا، ثم أتبعته بوصف موجز لنعم الآخرة، والفرق بين الاثنين هو أن نساء الآخرة على خلاف نساء الدنيا (أزواج مطهرة) لا يصيبهن أي عارض يتنافى مع الطهر، ثم إن الآخرة لا تتوقف المتعة فيها على المال الذي هو الوسيلة الوحيدة في الدنيا للاقتناء والانتفاع، إذ أن أرزاقها وخيراتها ملك مشاع لجميع المتقين، ولذلك لم يذكر بين نعيمها لا ذهبا ولا فضة ولا قناطير مقنطرة، وإذا كانت مزارع الدنيا وبساتينها تحتاج إلى الحرث والحيوانات المساعدة عليه، فإن الجنات التي أعدها الله لعباده في الآخرة لا تتوقف على الحرث ولا على الحيوان المساعد فيه، بل هي هبة من الله خالصة للمؤمنين دون كد ولا تعب، ولا توقيت بموسم خاص.
وفوق هذا كله ففي الآخرة نعمة هي أجل النعم وأكبرها جميعا، لأنها تفوق جميع نعم الدنيا، وتفضل جميع نعم الآخرة الأخرى، ألا وهي نعمة {رِضْوَانَ اللَّهِ} الذي يخلع حلته على المقبولين الرضيين من عباده {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} وهذه النعمة تتضمن كامل الإحسان وعظيم الامتنان، على من أكرمه الله بها من بني الإنسان، وترشحه للنظر إلى الملك الديان، بالإضافة إلى الخلود في نعيم الرحمان {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .