الْوَجْهُ التَّاسِعُ: نَظَرَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَلْبِهِ فَرَآهُ مَيِّتًا بِحُبِّ وَلَدِهِ فَاسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ وَقَالَ: (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى أَيِ الْقَلْبَ إِذَا مَاتَ بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ كَيْفَ يَكُونُ إِحْيَاؤُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ يُشَاهِدُونَ الْحَشْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَرِنِي ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، فقال: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) عَلَى أَنْ خَصَصْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِمَزِيدِ هَذَا التَّشْرِيفِ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: لَمْ يَكُنْ قَصْدُ إِبْرَاهِيمَ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، بَلْ كَانَ قَصْدُهُ سَمَاعَ الْكَلَامِ بِلَا وَاسِطَةٍ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: مَا قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الْجُهَّالِ، وَهُوَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ شَاكًّا فِي مَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ وَفِي مَعْرِفَةِ الْمَعَادِ، أَمَّا شَكُّهُ في معرفة المبدأ فقوله (هذا رَبِّي) وَقَوْلُهُ (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) [الْأَنْعَامِ: 77] وَأَمَّا شَكُّهُ فِي الْمَعَادِ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ سَخِيفٌ، بَلْ كُفْرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَاهِلَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى كَافِرٌ، فَمَنْ نَسَبَ النَّبِيَّ الْمَعْصُومَ إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ كَفَّرَ النَّبِيَّ الْمَعْصُومَ، فَكَانَ هَذَا بِالْكُفْرِ أَوْلَى،
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) وَلَوْ كَانَ شَاكًّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ
وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) وَذَلِكَ كَلَامُ عَارِفٍ طَالِبٍ لِمَزِيدِ الْيَقِينِ، وَمِنْهَا أَنَّ الشَّكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى يُوجِبُ الشَّكَّ فِي النُّبُوَّةِ فَكَيْفَ يَعْرِفُ نُبُوَّةَ نَفْسِهِ. (1) انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 34 - 35}
(1) بعض هذه الوجوه لا يخلو من مقال.
ورحم الله الإمام الفخر فقد كان حبرا لا يبارى ولا يجارى. والله أعلم وأحكم.