يُوجِبُ إجْمَالَ اللَّفْظِ وَافْتِقَارَهُ إلَى الْبَيَانِ ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى وُقُوفِ حُكْمِ الْآيَةِ عَلَى بَيَانٍ مِنْ غَيْرِهَا ، وَمَتَى أَمْكَنَنَا اسْتِعْمَالُ حُكْمِ الْآيَةِ وَجَبَ عَلَيْنَا اسْتِعْمَالُهَا ، وَجِهَةُ إمْكَانِ اسْتِعْمَالِهَا مَا وَصَفْنَا مِنْ إثْبَاتِ الْمُرَادِ بَغْيًا وَتَعَدِّيًا فِي الْأَكْلِ بِأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ مِنْهَا إلَّا بِمِقْدَارِ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ وَيُزِيلُ خَوْفَ التَّلَفِ.
وَأَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْمُبَاحِ حَتَّى مَاتَ كَانَ قَاتِلًا نَفْسَهُ مُتْلِفًا لَهَا عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ حُكْمُ الْعَاصِي وَالْمُطِيعِ.
بَلْ يَكُونُ امْتِنَاعُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْأَكْلِ زِيَادَةً عَلَى عِصْيَانِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ وَحُكْمُ الْمُطِيعِ سَوَاءً فِي اسْتِبَاحَةِ الْأَكْلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْمُبَاحِ مِنْ الطَّعَامِ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ كَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ بَاغِيًا عَلَى الْإِمَامِ خَارِجًا فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ ، وَالْمَيْتَةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى فِي حَالَ الْإِمْكَانِ وَالسَّعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى اسْتِبَاحَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ بِالتَّوْبَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَتُبْ فَهُوَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ.