الإماتة، ثم الإحياء؛ كذلك اليوم والليلة، وقد تقدمت إلى ذلك إشارة، وذلك كله
دليل حق وشاهد عدل على أن الله - جلَّ جلالُه - هو الحق المبين بأن الحق خلق به
المخلوقات، وبثَّه في المعلومات، وصور علمه بصورة المخلوق.
وكما لا يكون فعل إلا من فاعل ولا يوجد المصنوع إلا من صانع كذلك لا
يكون إنزال الماء وتصريف الرياح وتسخير السحاب وإماتة الأرض، ثم إحياؤها
بإخراج ما يخرج منها على اختلاف ضروبه وتباين أجناسه، ثم إيجاد الموجودات
عن ذلك بغير موجود أوجد ذلك وفاعل فعله، وذلك أيضًا آية على أنه على كل
شيء قدير، وبكل شيء عليم، المنشئ بكل سماء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن،
القائم على كل شيء ومصرفه ومقدره، له الأسماء الحسنى والصفات العلا والمثل
الأعلى، العلي الكبير.
لما صرف الماء هذا التصريف، ونوَّع ما صرفه هذا التنويع، واقتدر على
المقدورات كلها التي خرست الألسن عن وصفها، وإن أبلغت وعجزت الفهوم عن
الإحاطة بها ولو أوغلت، بل عجزت عن وصول بالعلم وتحقيق بذهن إلى تحصيل
حقيقة جزء من أجزاء ذلك وإن حرصت، كلا بل رجعت حسيرة عن بعض مرادها،
ونكصت عن مقموعة على أعقابها.
فبينما هي كذلك قائمة بين الطمع والرجاء، تتقلب في غيب المشقة والعناء؛ إذ
ناداها العلي الأعلى يخاطب منها رجم الظنون بقوله الحق جل قوله:(وَيَخلق مَا لَا
تَعلمونَ)فرجعت إليه إيمانًا، وشهدت له إيقانًا قائلة له: أنت المطلوب
في كل وجهة، والمقصود بكل طلبة، والمراد بكل معنى، آمنا بك وبكل ما جاء من
عندك (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ (8) .
ربا عليك وإليك أنبنا، فافتح لنا وعلِّمنا من لدنك علمًا، واجعلنا من أولي
الألباب، وهو أيضًا آية على إحياء الله الموتى حال موتهم.
من ذلك: بعض ما توجه إليه قوله الحق جل قوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ