مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ
بِإِذْنِ رَبِّهَا). فشجرات الدنيا وثمراتها لها أحايين معلومة وآجال
منتظرة، وذلك آية على اعتبار قد تقدم ذكره من نشء الدنيا إلى الآخرة، إن شجر
الجنة وأوراقها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها أبدًا على الولاء وعموم الأحايين.
فأحايين الدنيا سنون ومدد متراخية، وأحايين الآخرة غير منفصلة، بل متصلة،
يخلف المثلُ المثلَ دون زمان محسوس، وأقرب من ذلك ما ضربه الله - جلَّ جلالُه - به مثلاً
الكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله، وكل كلمة طيبة بعد تصحيح العقد شهادة
الحق تعطي أكلها أبدًا على الولاء، متى قالها، متى شهد بها، متى عمل بمقتضاها،
متى تحركت بما هو كلام طيب شفتاه أتته أكلها ذلك الحين، بل أسرع من حين
قوله إياها معًا وعلمه بها، وهو أسرع الحاسبين.
وقال جل قوله."وإذا أتاني يمشي، أتيته هرولة".
فانظر - وقفنا الله وإياك - قربها بالشبه على قدر قربها بالتوجه وجودًا، وشرعة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا، وأن الرجل ليتصدق"
بالتمرة من كسبٍ طيب فتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل، فيربيها
كما يربي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله حتى تعود التمرة مثل جبل أحد"فتفهم"
-رحمنا الله الرحيم وإياك - وألقن الخطاب، وأنه ينشئها وينميها تربية وتغذية إلى
يوم الدين.
(فصل)
وفيما لا يسقط ورقة من الشجر تفاضل في ذلك، فمنه ما لا يسقط ورقه
كالنخل وغيره شبهه، ومنه ما لا يعرى من ورقه إن سقط بعضه خلفه سواه من
الورق كشجر الزيتون والبلوط والبطم وشبهه، ومن الشجر ما يؤتي أكله في حين
حياة الأرض بالماء، ومنه ما يؤتي أكله حين مماتها.
ومن النبات ما يكون إقباله وانحطاطه من العام حين حياة الأرض وحين
موتها، كذلك وهذه آية على أن حياة في حال الموت، وموتًا في حال الحياة، ومن
الشجر والثمر والفواكه ما يؤتي أكله في بطن، ومنه ما يؤتي أكله بطنًا بعد بطن