ثم قال عز قوله: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ
يَسْتَهْزِءُونَ (30) .
ثم عرض - جلَّ جلالُه - بحال من ذهب منهم في دار البرزخ بقوله جل قوله: (أَلَمْ يَرَوْا
كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) .
ثم أعلم - جلَّ جلالُه - ببعض حالهم بقوله جل قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا
مُحْضَرُونَ (32) . والإحضار عبارة عن التنغيص فيما هنالك وسوء الحال، كما
قال جل قوله: (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ(158) .
وقال أيضًا - عز وجل -: (لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا(68) . وبالإيماء يكتفي
الألباء.
ثم جعل يسرد - جلَّ جلالُه - عليهم ذكر الآيات على صدق ما أتتهم به الرسل -
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - بقوله جل قوله: (وَآيَةٌ لَهُم) على ذلك(أَنَّا
حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)وهم عدم مقدرون في أصلاب
آبائهم.
ثم صرف - عز وجل - وجه الخطاب في الظاهر إلى الإخبار عن الفلك المشاهد،
بقوله - عز وجل -: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ(42) . أي: من مركب الأنعام
والدواب المشاهدة.
يقول عزَّ من قائل: فكما خلقنا لهم الفلك المشاهد ومراكب الأنعام تحملهم
في هذه وهذه، كذلك إذا أمتناهم والموت بحر بعيد غوره نخلق لهم من مثل
مراكبهم التي هي الأجسام، أو مثل ما خلقنا منه مراكبهم، يعني: مثالات لأجسامهم
الحاملة لهم في الدنيا، وهي المماثلة في الحقيقة، ومراكب الأنعام والدواب لا
يماثل الفلك والأجسام إلا في أنها حاملة لما حملته فحسب.
وهذه الخالقة للأجسام أحق حقيقة وأعرق في وصف المثل والمثال، وإنما
انسرد الخطاب على تصديق قوله الحق: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا
وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) . وإحياء الموتى يتوجه
الخطاب به إلى إحياء الأجسام يوم البعث، وإلى إحياء الموتى حال موتهم، وهؤلاء