قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ} متعلِّق بـ"يَكْتُمُونَ"، ولا يتعلَّق بـ"أَنْزَلْنَا"لفساد المعنى ؛ لأنَّ الإنزال لم يكن بعد التَّبيين ، وأمَّا الكتمان فبعد التَّبيين ، والضمير فِي["بَيَّنَّاهُ"يعودُ على"ما"الموصولة.
وقرأ الجمهور"بَيَّنَّاهُ"، وقرأ طلحة بنُ مُصَرِّف"بَيَّنَهُ"على ضمير الغائب ، وهو التفاتٌ من التكلّم إلى الغيبة ، و"للنَّاس"متعلِّق بالفعل قبله.
وقوله:"فِي الكِتَابِ"يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه متعلِّق بقوله:"بَيَّنَّاهُ".
والثاني: أنه يتعلَّق بمحذوف ؛ لأنَّه حالٌ من الضَّمير المنصوب فِي]"بَيَّنَّهُ"أي: بيَّنَّاهُ حال كونه مستقرّاً كائناً كائناً فِي الكتاب ، والمراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة.
قوله تعالى:"أولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ"يجوز فِي"أولَئِك"وجهان:
أحدهما: أن يكون مبتدأ ، و"يَلْعَنُهُم"الخبر ؛ لأن قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} يحتمل أن يكون معطوفاً على ما قبله ، وهو {يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ} وأن يكون مستأنفاً ، وأتى بصلة"الَّذِينَ"فعلاً مضارعاً ، وكذلك بفعل اللَّعنة ؛ دلالةً على التجدُّد والحدوث ، وأن هذا يتجدَّد وقتاً فوقتاً ، وكُرِّرَت اللعنة ؛ تأكيداً فِي ذمِّهم.
وفي قوله"يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ"التفاتٌ ؛ إذ لو جرى على سنن الكلام ، لقال:"نَلْعَنُهُمُ"؛ لقوله:"أَنْزَلْنَا"، ولكن فِي إظهار هذا الاسم الشريف ما ليس فِي الضمير.
فصل فِي معنى اللعنة ، والمراد باللاعنين
اللَّعْنَةُ فِي أصْلِ اللُّغَة: هي الإبْعَادُ ، وفي عُرْف الشَّرْع ، الإبعادُ من الثَّوَاب ، واختلَفُوا فِي الَّلاعِنِينَ ، مَنْ هُمْ ؟ فقيل: دوَابُّ الأرض وهوامُّها ؛ فإنَّها تقول: مُنِعْنَا القَطْرَ بمعَاصِي بَنِي آدَمَ ، قنله مجاهدٌ ، عن عِكْرِمَة.