وحين وجدت هاجر الماء عند قدم رضيعها أيقنت حقا أن الله لم يضيعها. وظل السعي شعيرة من شعائر الحج إلى بيت الله الحرام ، استدامة لإيمان المرء بالمسبب وعدم إهماله للسبب ، وحتى يقبل الإنسان على كل عمل وهو يؤمن بالمسبب. ولذلك يجب أن نفرق بين لتوكل والتواكل. إن التوكل عمل قلب وليس عمل جوارح ، والتوكل تعطيل جوارح. ليس فِي الإسلام تواكل ، إنما الجوارح تعمل والقول تتوكل. هكذا كان توكل هاجر ، لقد عملت وتوكلت على الله ؛ فرزقها الله بما تريد بأهون الأسباب ، وهي ضربة قدم الوليد للأرض ، وبقيت تلك المسألة شعيرة من شعائر الحج وهي سبعة أشواط بين الصفا والمروة. وعندما غفل الناس عن عبادة الله ، ودخلت عبادة الأصنام فِي الجزيرة العربية أوجدوا على جبل الصفا صنما أسموه"إسافا"وعلى المروة صنما أسموه"نائلة". وكانوا يترددون بين إساف ونائلة ، لا بين الصفا والمروة ، لقد نقلوا العبادة من خالصية التوحيد إلى شائبية الوثنية.
فلما جاء الإسلام أراد الله ألا يوجه المسلمين فِي صلاتهم إلى البيت المحرم إلا بعد أن يطهر البيت ويجعله خالصا لله ، فلما ذهب بعض المؤمنين إلى الكعبة تحرجوا أن يسعوا بين الصفا والمروة ؛ لأن"إسافا"و"نائلة"فوق الجبلين ، فكأنهم أرادوا أن يقطعوا كل صلتهم بعادات الجاهلية ، واستكبر إيمانهم أن يترددوا بين"إساف"و"نائلة"، فأنزل الله قوله الحق:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهم ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم"، أي لا تتحرجوا فِي هذا الأمر لأنكم ستسعون بين الصفا والمرة ؛ لا بين إساف ونائلة كما كان يفعل المشركون الوثنيون ، إذن فالعمل هنا كان بالنية.