انتهى كلامُ الراغبِ، ومن أبدعِ ما قيل في الصَّبْرِ والجَزَعِ قولُ ابنِ الرّومي:
أرَى الصبرَ مَحْموداً وعنه مذاهِبٌ ... فكيفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْه مَذْهَبُ
هُناك يَحِقُّ الصَّبْرُ والصبرُ وَاجبٌ ... وما كان منه كالضَّرورةِ أوْجَبُ
فشَدَّ امْرُؤٌ بالصَّبرِ كَفَّاً فإنّه ... له عِصْمةٌ أسبابُها لا تَقَضَّبُ
هُوَ المَهْرَبُ المُنْجِي لِمَنْ أَحْدقَتْ بهِ ... مَكارِهُ دهْرٍ ليسَ مِنْهُنَّ مَهْرَبُ
أعُدُّ خِلالاً فيه ليسَ لِعاقِلٍ ... من الناسِ - إنْ أُنصِفْنَ - عَنْهُنَّ مَرْغَبُ
لَبُوسُ جَمالٍ، جُنَّةٌ مِنْ شَماتَةٍ ... شِفاءُ أسًى يُثْنَى به ويُثَوّبُ
فيا عَجَباً للشّيءِ هذي خِلالُه ... وتاركُ ما فيهِ من الحَظِّ أعْجَبُ
وقَدْ يَتَظَنَّى الناسُ أنَّ أساهُمُ ... وصَبْرَهُمُ فيهِمْ طِباعٌ مُركَّبُ
وأنّهُما ليسا كشَيْءٍ مُصرَّفٍ ... يُصرِّفُه ذو نَكْبَةٍ حين يُنكَبُ
فإنْ شاَء أن يأْسَى أطاعَ له الأَسَى ... وإنْ شاَء صبراً جاَءه الصَّبرُ يُجْلَبُ
ولكِنْ ضَروريّانِ كالشَّيْءِ يُبتَلى ... بهِ المرءُ مَغْلوباً وكالشَّيْءِ يذْهَبُ
ولَيْسا كَما ظَنُّوهُمَا، بل كِلاهُما ... لكُلِّ لَبِيبٍ مُسْتَطاعٌ مُسبَّبُ
يُصَرِّفهُ المُختارُ مِنَّا، فَتارةً ... يُرادُ فيأتي أوْ يُذادُ فيَذْهَبُ
إذا احْتَجَّ مُحْتجٌّ على النَّفْسِ لم تَكَدْ ... على قَدَرٍ يُمْنَى لها تَتَعَتَّبُ
وساعَدَها الصَّبْرُ الجميلُ فأَقبَلَتْ ... إليها له طَوْعاً جَنائِبُ تُجْنَبُ
وإنْ هو مَنَّاها الأباطيلَ لم تَزَلْ ... تُقاتِلُ بالعَتْبِ القضاَء وتُغْلَبُ
فتُضْحِي جَزوعاً إنْ أصابَتْ مُصيبةٌ ... وتُمْسِي هَلوعاً إنْ تَعذَّرَ مَطْلَبُ
فلا يَعذِرَنَّ التارِكُ الصَّبْرَ نفسَه ... بأنْ قيلَ إنَّ الصَّبْرَ لا يُتَكَسَّبُ
وقال الأصمعيُّ: أحسنُ ما قيل في الصَّبر مع الشرح قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذلي:
وتَجَلُّدِي للشّامِتينَ أُرِيهُمُ ... أنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ
حتّى كأنّي للحَوادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا المُشَقَّرِ كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
لا أتضعضع: لا أذلُّ ولا أخضع، وريْبُ الدّهر: صرفُه، والمروة واحدة المَرْوِ وهي:
حجارةٌ بيضٌ بَرّاقة يُقدحُ منها النار: ومروة المَسْعى التي تذكر مع الصفا في الحج - وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعيُ إليهما - سُمّيت بذلك، وبصفا