وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي جَعْلِ الْقِبْلَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ: أَنَّ الْكَعْبَةَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَشْغُولَةً بِالْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَكَانَ سُلْطَانُ أَهْلِ الشِّرْكِ مُتَمَكِّنًا فِيهَا، وَالْأَمَلُ فِي انْكِشَافِهِ عَنْهَا بَعِيدًا فَصَرَفَهُ اللهُ أَوَّلًا عَنِ اسْتِقْبَالِ بَيْتٍ مُدَنَّسٍ بِعِبَادَةِ الشِّرْكِ - وَقَدْ كَانَ اللهُ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِتَطْهِيرِهِ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ - إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قِبْلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ، وَلَمَّا قَرُبَ زَمَنُ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا وَإِزَالَةِ سُلْطَةِ الْوَثَنِيِّينَ عَنْهُ، جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى قِبْلَةً
لِلْمُوَحِّدِينَ ; لِيُوَجِّهَ النُّفُوسَ إِلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِتَطْهِيرِهِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، وَالسَّيْرِ فِيهِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ الصَّحِيحَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.