أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَرَّرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ الْإِتْمَامِ وَكَوْنِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مُقَدِّمَةً لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ فَتْحِ مَكَّةَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (48: 2) فَكَانَ فِي الْآيَةِ بِشَارَةٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وَنَصْرِ اللهِ التَّوْحِيدَ عَلَى الشِّرْكِ وَمَا يَتْلُو ذَلِكَ مِنْ نَشْرِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِشَارِ نُورِهِ فِي الْأَنَامِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ بَعْدَمَا ذَكَرَ: (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا) (48: 3) .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحِكْمَةَ الثَّالِثَةَ لِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ: (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أَيْ: وَلْيُعِدَّكُمْ بِذَلِكَ إِلَى الِاهْتِدَاءِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَالرُّسُوخِ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُعَارَضَاتِ وَالْمَحَاجَّاتِ تُظْهِرُ ضَعْفَ الْبَاطِلِ وَزُهُوقَهُ، وَتُبَيِّنُ قُوَّةَ الْحَقِّ وَثُبُوتَهُ، فَالْحُجَّةُ تَتَبَخْتَرُ اتِّضَاحًا، وَالشُّبْهَةُ تَتَضَاءَلُ افْتِضَاحًا، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْكَوْنِ بِأَنَّ الْفِتَنَ تُنِيرُ الطَّرِيقَ لِأَهْلِ الْحَقِّ، وَتُرْخِي سُدُولَ ظُلْمَتِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَتُمَحِّصُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَمْحَقُ الْكَافِرِينَ.