ثُمَّ ذَكَرَ الْعِلَّةَ أَوِ الْحِكْمَةَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) بِاسْتِقْلَالِ قِبْلَتِكُمْ فِي بَيْتِ رَبِّكُمُ الَّذِي بَنَاهُ جَدُّكُمْ، وَجَعَلَ الْأُمَمَ فِيهَا تَبَعًا لَكُمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ عَرَبِيٌّ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ نَزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، وَهُمْ قَوْمُهُ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ أَوَّلًا وَظَهَرَتْ دَعْوَتُهُ فِيهِمْ وَامْتَدَّتْ مِنْهُمْ وَبِهِمْ إِلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَكَانُوا إِذَا آمَنُوا يُحِبُّونَ أَنْ تَكُونَ وِجْهَتُهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ بَيْتَهُمُ الْحَرَامَ، وَأَنْ يُحْيُوا سُنَّةَ إِبْرَاهِيمَ بِتَطْهِيرِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ ; لِأَنَّهُ مَعْبَدُهُمْ وَأَشْرَفُ أَثَرٍ عِنْدَهُمْ، يُنْسَبُ إِلَى أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي بَنَاهُ وَرَفَعَ قَوَاعِدَهُ لِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ شَرَفُهُمْ وَمَجْدُهُمْ، وَمَوْطِنُ عِزِّهِمْ وَفَخْرِهِمْ، فَأَتَمَّ اللهُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ بِإِعْطَائِهِمْ مَا يُحِبُّونَ، وَتَوْجِيهِ جَمِيعِ شُعُوبِ الْإِسْلَامِ إِلَى بِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ النِّعَمِ. نَعَمْ ; إِنَّ كُلَّ أَمْرٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَامْتِثَالُهُ نِعْمَةٌ، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِيهِ حِكْمَةٌ ظَاهِرَةٌ وَشَرَفٌ لِلْأُمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِتَارِيخِهَا الْمَاضِي وَبِمَجْدِهَا
الْآتِي، وَكَانَ أَثَرُهُ حَمِيدًا نَافِعًا فِيهَا، تَكُونُ النِّعْمَةُ بِهِ أَتَمَّ وَالْمِنَّةُ أَكْمَلَ ; وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالْإِتْمَامِ.