قال سعيد بن جُبير: (اذكروني) بطا عتي {أَذْكُرْكُمْ} بمغفرتي. وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة.
وقوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي} تقول العرب: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، في أحرف تسمع ولا تقاس. فمن قال: شكرتك، أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدّى الفعل بغير وسيطة، والأجود: شكرت لك؛ لأنه الأصل في الكلام، والأكثر في الاستعمال. والنعمة محذوفة من الآية؛ لأن معنى الكلام: واشكروا لي نعمتي؛ لأن حقيقة الشكر إنما هو إظهار النعمة، لا إظهار المنعم. وكذلك {وَلَا تَكْفُرُونِ} أي: لا تكفروا نعمتي؛ لأن أصل الكفر إنما هو ستر النعمة لا ستر المنعم. والأصل: لا تكفروني بالياء، إلا أن أكثر ما جاء في القرآن حذف الياءات مع النون، وقد حذفت مع غير النون، كقوله: {يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ} [ق: 41] .
قال الفراء: وليست تتهيّب العرب حذف الياء من آخر الكلام، إذا كان ما قبلها مكسورًا، من ذلك {أَكْرَمَنِ} {أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16] و {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل: 36] ، ومن غير النون {الْمُنَادِ} [ق:41] و {الدَّاعِ} [القمر: 8] ، يكتفي من الياء بكسر ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها، مثل: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) } [العلق: 18] ، و {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) } [الإسراء: 11] . وقد تُسقط العرب الواو، وهي واو جِمَاع، اكتفاءً بالضمة قبلها، فيقال في {ضَرَبُوا} : ضَرَبُ، وفي {قالوا} : قالُ، وهي في هوازن وعُليا قيس. قال بعضهم:
إذا ما شاءُ ضرّوا من أرادوا ... ولا يألوهم أحدٌ ضرارا
وأنشد الكسائي:
فلو أنّ الأطِبّا كانُ حولي ... وكان مع الأطبّاءِ الأُسَاةُ انتهى انتهى {التفسير البسيط. 3/ 416 - 422} .