قال ابن الأنباري: وفسر بعض أصحابنا هذا تفسيرًا شافيًا. فقال: (كما) شرط، والفاء في قوله: {فَاذْكُرُونِي} جوابه، و {أَذْكُرْكُمْ} جواب الشرط المقدر من الأمر في {فَاذْكُرُونِي} وكذلك: إذا أتاك عبد الله فأتِه تُرضِه، (إذا) محمولة على معنى الشرط، والفاء جواب له، فلما جعل له جواب لشرط مقدر من الإتيان، قال: ولو اقتصر على قوله: {فَاذْكُرُونِي} كان (كما) جوابًا له، فلما جُعِلَ له جوابٌ كان (كما) مذهوبًا به مذهب الشرط.
وهذا القول موافق لتفسير الآية؛ لأن الآية خطاب لمشركي العرب، خاطبهم الله تعالى بما دلّهم على إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} محمدًا، وهو رجل منكم أمي، تعلمون أنه لم يتلُ كتابًا، فأنبأكم بأخبار الأنبياء، أيِ: فكما أنعمت عليكم بإرساله {فَاذْكُرُونِي} بتوحيدي، وتصديقه {أَذْكُرْكُمْ} برحمتي ومغفرتي والثناء عليكم.
قال ابن عباس: قوله: {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ} قال: هذا كله للمهاجرين والأنصار، فأوّل الآية الخطابُ عامٌّ؛ لأن الإرسال عام، وباقي الآية خاص؛ لأن تلاوته وتعليمه وتزكيته مما خص الله به أقوامًا دون.
ومعنى قوله: {وَيُزَكِّيكُمْ} أي: يعرضكم لما تكونون به أزكياء، من الأمر بطاعة الله، واتباع مرضاته، ويحتمل أن يكون المعنى: ينسبكم إلى أنكم أزكياء بشهادته لكم؛ ليعرفكم الناس به، وقد ذكرنا معنى التزكية فيما تقدم.
152 -قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} أصل الذكر في اللغة: التنبيه على الشيء ، ومن ذكّرك شيئا فقد نبهك عليه، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، والذَّكرُ أَنْبَهُ من الأنثى. وقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ} [الزخرف: 44] أي: شرف لك، من النباهة. ومعنى الذكر: حضور المعنى للنفس، ثم يكون تارة بالقلب، وتارة بالقول، وليس موجبه أن يكون بعد النسيان؛ لأنه يستعمل كثيرًا دون أن يتقدمه نسيان.