أتيناهم أبلغ من قوله: (أوتوا) ، فإن (أوتوا) قد يستعمل فيمن لم يكن له قبول ، وأتيناهم أكثر ما جاء فيمن له قبول نحو: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} ، وعلى ذلك كل مما جاء من نحو هذا فيما يختص بإكرام نحو: {هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} ، وقوله (يعرفونه) أي العلم الذي هو النبوة
المتقدم ذكرها فِي قوله {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} وقيل ، عنى النبي عليه السلام بقوله: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ} وقيل: يعرفون أن التوجه إلى الكعبة حق واختلاف أقاويلهم باختلاف نظراتهم إلى الألفاظ من حيث المعنى بأن معرفة الرسول عليه السلام ومعرفة صدق قوله وصحة ما يأمر به من أمر القبلة متلازمة ، وإنما قال: {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} ولم يقل أنفسهم ، لأن الإنسان لا
يعرف نفسه إلا بعد انقضاء برهة من دهره ، ويعرف ولده من حين وجوده ، ثم فِي ذكر الابن ، ما ليس فِي ذكر النفس ، فإن الإنسان عصارة ذاته ونسخة صورته ، وإنما قال: {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} ولم يقل يكتمونه ، لأن فِي كتمان أمره كتمانه الحق جملة ، وزاد فِي ذمهم بقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
فقد قيل: ليس المرتكب ذنباً عن جهل كمن يرتكبه عن علم ...
قوله عز وجل:
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} الآية (147) - سورة البقرة.