قال الزجاج: المراد تقلب عينيك فِي النظر إلى السماء .
وقال قطرب: تحول وجهك إلى السماء وهما متقاربان .
ومعنى الآية: كثيراً ما نرى تردّد وجهك ، وتصرّف نظرك فِي جهة السماء متشوقاً لنزول الوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة .
{فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} : أي لنمكننّك من استقبالها ، من قولك: وليّتُه كذا إذا جعلته والياً له ، فيكون من الولاية ، أو من التولي ، والمعنى: فلنجعلنّك متولياً جهتها ، وهذه بشارة من الله تعالى لرسوله الكريم بتوجيهه إلى القبلة التي يحب .
{شَطْرَ المسجد} : والشطرُ فِي اللغة يكون بمعنى الجهة والناحية كما فِي هذه الآية ومنه قول الشاعر:
أقول لأمّ زِنبْاعٍ أقيمي ... صدورَ العيسِ شطرَ بني تميم
ويكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"الطهور شطر الإيمان"
والشاطر: الشاب البعيد عن أهله ومنزله ، وهو من أعيا أهله خُبْثاً ، وسئل بعضهم عن الشاطر فقال: هو من أخذ فِي البعد عمّا نهى الله عنه .
ومعنى الآية: فولّ وجهك جهة المسجد الحرام أي جهة الكعبة .
{أُوتُواْ الكتاب} : المراد بهم أحبار اليهود ، وعلماء النصارى ، والكتابُ: التوراةُ والإنجيل .
وجه المناسبة بين الآيات
كان صلوات الله عليه وهو بمكة يستقبل بيت المقدس فِي الصلاة ، كما كان أنبياء بني إسرائيل يفعلون ، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ، وقد جاء بإحياء ملته ، وتجديد دعوته ، ولأنها أقدم القبلتين ، وقد كان اليهود يقولون: يخالفنا محمد فِي ديننا ، ويتّبع قبلتنا ، ولولا ديننا لم يدر أين يتوجه فِي صلاته ، فكره النبي صلى الله عليه وسلم البقاء على قبلتهم ، حتى روي أنه قال لجبريل: وددت لو أنّ الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه الوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة .