وهذا أيضاً على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}
وقد ثبت عن النبي أنه قال عند نزول هذه الآية"أعوذ بوجهك"
ولكن قد ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم لا بد أن يقع في أمته خسف، ولكن لا يكون عاماً، وهذا عذاب من تحت الأرجل.
وروي أنه كان في الأمة قذف أيضاً.
وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار بقدرته على ما سيفعله.
وإن أريد به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على ما لا يريده وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} وقوله {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} ونظائره.
وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبله وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقاً خطأ والله أعلم.
{بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) }
ثم أخبر سبحانه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنه لا يرعوي ولا يخاف يوماً يجمع الله فيه عظامه ويبعثه حياً بل هو مريد للفجور ما عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله والدار الآخرة فهذا لا يندم يندم على ما مضى منه ولا يقلع في الحال ولا يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب المنيب.
ثم نبه سبحانه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا استبعاداً لزمنه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنه في موضع آخر قوله {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}
أي بعيد وقوعه وليس المراد أنه واقع بعيد زمنه هذا قول جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأصحابه.
قال ابن عباس يقدم الذنب ويؤخر التوبة.
وقال قتادة وعكرمة قدما قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره.
وفي الآية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامه من البعث ويوم القيامة.
وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وأبي إسحاق.