نحن جماعة، وإن فعلنا بالمساكين ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر فحلفوا
لَيَصْرِمُنَّهَا بِسُدْفة من الليل.
قال الله عزَّ وجلَّ: (وَلَا يَسْتَثْنونَ) .
فحلفوا ولم يقولوا: إن شاء اللَّه، فلما كان الوقت الذي اتَعَدُوا فِيه بِسُدْفة
غَدَوْا إلى جنتهم ليصرموها.
(وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ(25)
من قولهم: حاردت السنة إذا منعت خيرها.
وقيل على غَضبٍ (1) .
فأما الحرد الذي هو القصد فأنشدوا فيه:
أَقْبَل سَيْلٌ جاء مِنْ أَمْرِ اللهْ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
(1) قال السَّمين:
قوله: {على حَرْدٍ قَادِرِينَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ"قادرين"حالاً من فاعل"غَدَوْا". و"على حَرْدٍ"متعلِّقٌ به، وأَن يكونَ"على حَرْدٍ"هو الحالَ، و"قادرين": إمَّا حالٌ ثانيةٌ، وإمَّا حالٌ مِنْ ضميرِ الحالِ الأولى.
والحَرْدُ فيه أقوال كثيرة، قيل: الغضبُ والحَنَقُ. وأُنْشد للأشهب ابن رُمَيْلة:
4304 أُسُوْدُ شَرىً لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دماءَ الأساوِدِ
قيل: ومثلُه قولُ الآخرِ:
4305 إذا جِيادُ الخيل جاءتَ تَرْدي... مملوءَةً مِنْ غَضَبٍ وحَرْد
عَطَفَ لَمَّا تغايرَ اللفظان كقولِه:
4306... ... ... ... ... ... ... ... وأَلْفى قولَها كَذِباً ومَيْنا
وقيل: المَنْعُ. مِنْ حارَدَتِ الإِبلُ: قَلَّ لَبَنُها، والسَّنَةُ: قَلَّ مَطَرُها، قاله أبو عبيد والقُتبيُّ. ويقال: حَرِدَ بالكسر يَحْرَدُ حَرْداً، وقد تُفْتح فيقال: حَرَداً، فهو حَرْدانُ وحارِدٌ. يقال: أسدٌ حارِدٌ، ولُيوث حَوارِدُ. وقيل: الحَرْدُ والحَرَدُ الانفرادُ. يُقال: حَرَدَ بالفتح، يَحْرُد بالضم، حُروداً وحَرْداً وحَرَداً: انعزل، ومنه كوكبٌ حارِدٌ، أي: منفردٌ. قال الأصمعي:"هي لغةُ هُذَيْل". وقيل: الحَرْدُ القَصْدُ. يقال: حَرَد يَحْرِدُ حَرْدَك، أي: قَصَدَ قَصْدَك، ومنه:
4307... ... ... ... ... ... ... ... . يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّهْ
وقد فُسِّرت الآيةُ الكريمةُ بجميعِ ما ذَكَرَتْ. وقيل: الحَرْدُ اسمُ جنَّتِهم بعينِها، قاله السُّدي. وقيل: اسم قَرْيتِهم، قاله الأزهري. وفيهما بُعْدٌ بعيدٌ. و"قادرين": إمَّا مِنْ القُدْرَةِ، وهو الظاهرُ، وإمَّا مِن التقدير وهو التضييقُ، أي: مُضَيِّقين على المساكينِ. وفي التفسيرِ قصةٌ توضِّحُ ما ذكرْتُ". اهـ (الدُّرُّ المصُون) ."