واعلم أنه على كل شيءٍ قدير كما يقول في كتابه الكريم: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1] يقدر على الإبداع، والإيجاد، والإبقاء، والإفناء، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2] ، ذكر الموت والحياة؛ لأن القدرة فيهما أظهر، وقدم الموت على الحياة؛ لأنه [سابقتكم] {أَمْوَاتًا فََأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] ؛ يعني: كنتم جاهلين فأحياكم بالعلم، وكنتم في بطون أمهاتكم موتى فأحياكم بنفخ الروح، وكنتم موتى في القلب فأحياكم بنور الإيمان، وكنتم موتى في البرزخ فأحياكم يوم القيامة، وكنتم موتى في النكرة فأحياكم بالمعرفة، وكنتم موتى من مشاهدة وجه الرب فأحياكم بمشاهدته للابتلاء حتى تتم مظاهر لطفه وقهره، وحتى يرى {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2] في الاختيار الحياتي الذي أعطاه ربكم لكم لتكونوا خلاف الأرض، أتشتغلون في عالم اختياركم بذكر مولاكم؟ أم تبتغون هواكم وتغفلون عن ذكر مولاكم؟ أتتركون الدنيا الفانية للآخرة الباقية؟ أم تشتغلون بالدنيا لاستيفاء حظوظكم العاجلة الشهوية؟ أم تشتغلون بتزكية النفس عن الكدورات الحاصلة لها في دار الفناء؟ أم تتركونها مكدرة مظلمة صاعد عليها كل ساعة دخان الهوى؟ أتجتهدون في تصفية السر وتحلية الروح بالأخلاق والصفات الحسنة؟ أم تتركونها ملوثة بقاذورات الأخلاق الشيطانية والصفات البهيمية؟ أتقبلون على تصقيل القلب ليكون مرآة لوجه الرب وهو المقصود من إيجاد الموجودات؟ أم تعرضون عنه ليتأثر فيه طبع [الطغي] {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2] ؛ يعني: هو غالب على أمره أن يعذب المقصر في تقويم القالب وتصقيل القلب وإقامة المرآة محاذاة وجه الرب في عالم التوجه، غفور لمن يقوِّم القالب على وفق ظاهر الشرع بالسياسة، وتصقيل القلب على قانون حكمة الطريقة بالطهارة، ويقيم المرآة المقوِّمة