الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال النسفي: والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير، فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم؛ فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم أَحْسَنُ عَمَلًا أي: أخلصه وأصوبه، فالخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنة، والمراد أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، فما وراءه إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه، وقدم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى ما سيقت له الآية أهم. ولما قدم الموت الذي هو أثر صفة القهر على الحياة التي هي أثر اللطف قدم صفة القهر على صفة اللطف بقوله:
وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل الْغَفُورُ أي:
الذي يمحو ذنوب أهل الإساءة والزلل إذا تابوا
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي: طبقة بعد طبقة، ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أي: من اختلاف واضطراب، وعن السدي: من عيب، وحقيقة التفاوت عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه، وفي ذكر اسم الرحمن في قوله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ تعظيم لخلقهن، وتنبيه على سبب سلامتهن من التفاوت وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب. قال ابن كثير: أي: بل هو (أي: الخلق) مصطحب مستو ليس فيه اختلاف، ولا تنافر، ولا مخالفة، ولا نقص، ولا عيب، ولا خلل فَارْجِعِ الْبَصَرَ أي: رده إلى السماء حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة فلا تبقى معك شبهة فيه. قال ابن كثير: أي: انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو فطورا هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ قال قتادة: أي: هل ترى خللا يا ابن آدم. أقول:
والفطور جمع فطر وهو في الأصل: بمعنى الشق والصدع واستعمل هنا بمعنى الخلل