وقال مقاتل: حاسبنا أهلها في الدنيا على عملها بالأخذ الشديد، وعذبناها في الآخرة عذابًا منكرًا فظيعًا بجهثم. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: عذبنا أهلها في الدنيا عذابًا نكرًا، بالجوع والقحط والسيف، والخسف والمسخ، وحاسبناها في الآخرة حسابًا شديدًا على أعمالهم.
9 - {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} ؛ أي: ضرر كفرها وثقل عقوبة معاصيها؛ أي: أحسته إحساس الذائق المطعوم. {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} هائلًا لا خسر وراءه؛ أي: وكان عاقبة أمرها هلاكًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة فتجارتهم خسارة لا ربح فيها، لتضييعهم بضاعة العمر والصحة والفراغ يصرفها في المخالفات. والخسر وكذا الخسران في الأصل: انتقاص رأس المال، كما سيأتي.
10 - {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ} مع ذلك في الآخرة. ولام {لَهُمْ} لام التخصيص، لا لام النفع، كما في قولهم: دعا له، في مقابلة دعا عليه. {عَذَابًا شَدِيدًا} وهو عذاب النار.
والتكرير للتأكيد؛ أي: قدر العذاب الشديد عليهم في علمه على حسب حكمته، أو هيأ أسبابه في جهنم بحيث لا يوصف كنهه، فهم أهل الحساب والعذاب في الدنيا والآخرة لا في الدنيا فقط، فإن ما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم؛ لعدم رجوعهم عن الكفر، فعذبوا عذاب الآخرة أيضًا. وهذا المعنى من قوله: {فَحَاسَبْنَاهَا} إلى هنا هو اللائق بالنظم الكريم، هكذا ألهمت به حين المطالعة، ثم وجدت في تفسير"الكواشي"و"كشف الأسرار"و"أبي الليث"و"الأسئلة المقحمة"ما يدل على ذلك. والحمد الله تعالى، فلا حاجة إلى أن يقال: إن فيه تقديمًا وتأخيرًا، وإن المعنى: عذبناها عذابًا شديدًا في الدنيا، وحاسبناها حسابًا شديدًا في الآخرة، على أن لفظ الماضي للتحقيق، كأكثر ألفاظ القيامة.