أي جماعة من الأولين في الجنة، وجماعة من هذه الأمة فيها، قيل: في الجمع بينها على هذا، وبين قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) ، أجيب: احتمال أن يريد أهل الجنة بالنوع لَا بالشخص، أي منكم الثلثان، ومنهم الثلث، فأنتم أكثر من كل أمة على حدتها، قيل: بل ظاهره أنهم أكثر من مجموع الأمم، أجيب: بأن الثلة مقولة بالتشكيك تطلق على الجماعة الكثيرة والقليلة، ولا تنافي بين الاثنين.
قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) }
هذه الآية وأمثالها حجة لمن جعل الصحبة حقيقة في معناها الأخص لَا الأعم.
فإن قلت: نقلها عندهم من التواطؤ أو التشكيك، فهي في الأخص أولى، قلت: إذا تعارض حمل اللفظ على معناه حقيقة أو بطريق التواطؤ أو التشكيك، فحمله على الحقيقة أولى.
فإن قلت: لعله مشترك، أو منقول اصطلاحا من المعنى الأخص إلى الأعم، قلت: من شرط النقل اتفاق أهل الاصطلاح على الشيء الذي نقل إليه، كما في الصلاة والنكاح والغائط، والمحدثون مختلفون في مسمى الصاحب، وسماهم أصحاب الشمال، لما في حديث الإسراء في آدم عليه السلام:"أنه عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ"، أو لغير ذلك.
قوله تعالى: {فِي سَمُومٍ ... (42) }
ابن عطية: هو الريح الحارة، الزمخشري: أي في حر نار تنفذ في المسام، انتهى، هذا أقرب إلى اللفظ، وهذا مقابل لنعيم أصحاب اليمين، مقابل بثلاثة أوصاف: لأن السدر المخضود، والطلح المنضود، كالشيء الواحد، فإِن قلت: لم قدم الظل الممدود هنا على الماء المسكوب، وأخره هنا على الحميم المقابل للماء المسكوب؟ فالجواب: أن السموم وهي الريح الحارة تحدث وهجا ولهبا في الجسم فيلجئون إلى تبريدها بشرب الماء، فيجدونه حميما، فحينئذٍ يلجئون إلى الظل فالاحتياج إلى الماء أشد منه إلى الظل، بخلاف حالة النعم، فإِن المأكل فيها رطب لَا يلجأ إلى شرب الماء، فالحاجة إلى الماء تكميلية، والظل ملازم للجنة والشجر، فلذلك قدم.
قوله تعالى: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ(43)