قال البغوي: وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده بدليل قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (الزخرف: 87)
وقيل: المراد به الخصوص أي: ما خلقت السعداء من الجنّ والأنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي.
قال زيد بن أسلم: قال هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة، ويؤيده قوله تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} (الأعراف: 179)
وقيل: وما خلقت الجنّ والإنس المؤمنين، وقيل: الطائعين.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف المكلفين وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلفين قال تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} (الأنبياء: 26)
وقال تعالى {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} (الأعراف: 206) ؟
أجيب بوجوه.
أحدها: أنَّ الآية سيقت لبيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له وهذا مختص بالجنّ والإنس، لأنّ الكفر موجود فيهما دون الملائكة.
ثانيها: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجنّ والإنس فلما قال تعالى: {وَذَكِّرْ} بين ما يذكر به، وهو كون الخلق للعبادة وخصص أمّته بالذكر أي ذكر الجنّ والإنس
ثالثها: أن عباد الأصنام كانوا يقولون إنّ الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله تعالى وخلقهم لعبادته، ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله تعالى فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله تعالى كما قالوا {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3)
فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلماً من القوم فذكر المنازع فيه.
رابعها: فعل الجنّ يتناول الملائكة لأنّ أصل الجنّ من الاستتار وهم مستترون عن الخلق فذكر الجنّ لدخول الملائكة فيهم.