وجملة {هذا ما توعدون} معترضة ، فلك أن تجعلها وحدها معترضة وما بعدها متصلاً بما قبلها فتكون معترضة بين البدل والمبدل منه وهما {للمتقين} و {لكل أواب} ، وتجعل {لكل أواب} بدلاً من {للمتقين} ، وتكرير الحرف الذي جُرّ به المبدَل منه لقصد التأكيد كقوله تعالى: {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا} [سبأ: 32] لمن آمن منهم الآية وقوله: {ولأبَوَيْه لكلّ واحد منهما السدس} [النساء: 11] .
واسم الإشارة المذكر مراعى فيه مجموع ما هو مشاهد عندهم من الخيرات.
والأوّاب: الكثير الأوب ، أي الرجوع إلى الله ، أي إلى امتثال أمره ونهيه.
والحفيظ: الكثير الحفظ لوصايا الله وحدوده.
والمعنى: أنه محافظ على الطاعة فإذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة.
و {من خشي الرحمن بالغيب} بدل من {كل أوّاب} .
والخشية: الخوف.
وأطلقت الخشية على أثرها وهو الطاعة.
والباء في {بالغيب} بمعنى (في) الظرفية لتنزيل الحال منزلة المكان ، أي الحالة الغائبة وهي حالة عدم اطِّلاع أحد عليه ، فإن الخشية في تلك الحالة تدل على صدق الطاعة لله بحيث لا يرجو ثناء أحد ولا عقاب أحد فيتعلق المجرور بالتاء بفعل {خشي} .
ولك أن تبقي الباء على بعض معانيها الغالبة وهي الملابسة ونحوها ويكون {الغيب} مصدراً والمجرور حالاً من ضمير {خشي} .
ومعنى {وجاء بقلب منيب} أنه حضر يوم الحشر مصاحباً قلبَه المنيب إلى الله ، أي مات موصوفاً بالإنابة ولم يُبطل عمله الصالح في آخر عمره ، وهذا كقوله حكاية عن إبراهيم {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 88 ، 89] .
وإيثار اسمه {الرحمن} في قوله: {من خشي الرحمن} دون اسم الجلالة للإشارة إلى أن هذا المتقي يخشى الله وهو يعلم أنه رحمان ، ولقصد التعريض بالمشركين الذين أنكروا اسمه الرحمان {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان} [الفرقان: 60] .