ومذهب الأخفش والفرّاء: أن الذي في التلاوة يؤدّي عن الاثنين والجمع ولا حذف في الكلام.
و"قَعِيدٌ"بمعنى قاعد كالسميع والعليم والقدير والشهيد.
وقيل:"قَعِيدٌ"بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادم.
وقال الجوهري: فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع؛ كقوله تعالى: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين} [الشعراء: 16] وقوله: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4] وقال الشاعر في الجمع، أنشده الثعلبي:
أَلِكْنِي إِلَيْها وَخَيْرُ الرَّسُو ...
لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الخَبَرْ
والمراد بالقعيد هاهنا الملازم الثابت لا ضد القائم.
قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي ما يتكلم بشيء إلا كتب عليه؛ مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم.
وفي الرقيب ثلاثة أوجه: أحدها أنه المتبع للأمور.
الثاني أنه الحافظ، قاله السدّي.
الثالث أنه الشاهد، قاله الضحاك.
وفي العتيد وجهان: أحدهما أنه الحاضر الذي لا يغيب.
الثاني أنه الحافظ الْمُعَدُّ إما للحفظ وإما للشهادة.
قال الجوهري: العتيد الشيء الحاضر المهيأ؛ وقد عَتَّدَه تعتيداً وأَعْتَدَه إعتاداً أي أعدّه ليوم، ومنه قوله تعالى: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} [يوسف: 31] وفرس عَتَدٌ وعَتِدٌ بفتح التاء وكسرها المعَدُّ للجري.
قلت: وكله يرجع إلى معنى الحضور، ومنه قول الشاعر:
لئِن كُنتَ مِنِّي في العِيَان مُغَيَّباً ... فذكرك عندي في الفؤادِ عَتِيدُ
قال أبو الجوزاء ومجاهد: يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه.
وقال عكرمة: لا يكتب إلا ما يؤجر به أو يؤزر عليه.
وقيل: يكتب عليه كل ما يتكلم به، فإذا كان آخر النهار محى عنه ما كان مباحاً، نحو انطلق اقعد كُلْ مما لا يتعلق به أجر ولا وزر، والله أعلم.