17 - {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} (إذ) يتعلق بمحذوف دل عليه ما قبله وهو العلم، كأنه قيل: يعلم، ما يعمل، ويقول إذ يتلقى الملكان. أخبر أنه عالم بأحواله وما يثبت عليه الملكان فلا يحتاج إلى الملكين ليخبراه، ولكنهما وكِّلا به إلزامًا للحجة وتوكيدًا للأمر عليه. والتلقِّي معناه: التلقن والأخذ. ذكرنا ذلك عند قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 37] ومفعول التلقي محذوف وتقديره: يتلقى المتلقيان ألفاظه وأفعاله. ودل علي هذا قوله: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ} الآية.
قال مقاتل في هذه الآية: يعني الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه.
قوله: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} قعيدا كلِّ إنسان حافظاه، وهما الملكان الموكَّلان به، قال ابن قتيبة: قعيد بمنزلة قاعد. مثل: قدير وقادر، وقد يكون بمنزلة: أكيل وشريب. فيكون القعيد بمعنى القاعد، وأصل هذا من القعود، ثم صار اسمًا للملازم للإنسان في كل حال من القيام والقعود والمشي والاضطجاع. ولهذا كانت العرب تطلق هذا الاسم تريد به الله تعالى، على معنى أن الله مع العبد بالعلم أينما كان فيقول: قَعْدَكَ الله وقعيدَك الله، بمنزلة نشدتك الله. وأنشد أبو الهيثم فقال:
قَعِيدكُمَا الله الذي أنْتُما له ... ألم تَسْمَعَا بالبيضَتَيْن المُنَادِيَا
قال: ومعنى قعيدك الله: أي أينما قعدت فأنت مقاعد لله، أي: هو معك، ومن هذا قول المتمم:
قَعِيدَكِ ألَّا تُسْمِعِيني مَلامَةً ... ولا تَنْكِئي قَرْحَ الفُؤادِ قبيحا
قال أبو إسحاق: المعنى عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد. فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، وأنشد:
نَحْن بما عِنْدَنا وأنْتَ بما ... عِنْدَك رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ
أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ.
ومثله أيضًا:
رَمَاني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالِدِي ... بريئًا ومن أجْلِ الطّوى رَمَانِي