فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه قد علم مَا تنقصه الأَرْض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وَأَنه كَمَا هُوَ عَالم بِتِلْكَ الْأَجْزَاء فَهُوَ قَادر على تَحْصِيلهَا وَجَمعهَا بعد تفرّقها وتأليفها خلقا جَدِيدا وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُقرر الْمعَاد بِذكر كَمَال علمه وَكَمَال قدرته وَكَمَال حكمته فَإِن شُبه المنكرين لَهُ كلهَا تعود إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا اخْتِلَاط أجزائهم بأجزاء الأَرْض على وَجه لَا يتميّز وَلَا يحصل مَعهَا تميز شخص عَن شخص الثَّانِي أَن الْقُدْرَة لَا تتعلّق بذلك الثَّالِث أَن ذَلِك أَمر لَا فَائِدَة فِيهِ أَو إِنَّمَا الْحِكْمَة اقْتَضَت دوَام هَذَا النَّوْع الإنساني شَيْئا بعد شَيْء هَكَذَا أبدا كلما مَاتَ جيل خَلفه جيل آخر
فأمّا أَن يُمِيت النَّوْع الإنساني كُله ثمَّ يحيه بعد ذَلِك فَلَا حِكْمَة فِي ذَلِك، فَجَاءَت براهين الْمعَاد فِي الْقُرْآن مبينَة على ثَلَاثَة أصُول أَحدهَا تَقْرِير كَمَال علم الرب سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ فِي جَوَاب من {قَالَ من يحي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عليم}
وَقَالَ {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} وَقَالَ {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُم}
وَالثَّانِي تَقْرِير كَمَال قدرته كَقَوْلِه أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَقَوله {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بنانه} وَقَوله {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وأنه يحي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كل شَيْء قدير}
وَيجمع سُبْحَانَهُ بَين الْأَمريْنِ كَمَا فِي قَوْله {أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيم}
الثَّالِث كَمَال حكمته كَقَوْلِه وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين وَقَوله {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا}
وَقَوله {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً}
وَقَوله {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحق}