{فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} أي ناس يبخلون {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} فلا يتعدى ضرر بخله إلى غيرها يقال: بخلت عليه وبخلت عنه لأن البخل فيه معنى المنع ومعنى التضييق على من منع عنه المعروف والإضرار فناسب أن يعدي بعن للأول وبعلى للثاني ، وظاهر أن من منع المعروف عن نفسه فإضراره عليها فلا فرق بين اللفظين في الحاصل ، وقال الطيبي: يمكن أن يقال يبخل عن نفسه على معنى يصدر البخل عن نفسه لأنها مكان البخل ومنبعه كقوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [الحشر: 9] وهو كما ترى {والله الغنى} لا غيره عز وجل {وَأَنتُمُ الفقراء} الكاملون في الفقر فما يأمركم به سبحانه فهو لاحتياجكم إلى ما فيه من المنافع التي لا تقتضي الحكمة إيصالها بدون ذلك فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم ، وقوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} عطف على قوله سبحانه: {أَن تُؤْمِنُواْ} أي وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يخلق مكانكم قوماً آخرين وهو كقوله تعالى: {يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر: 16] {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم} في التولي عن الإيمان والتقوى بل يكونون راغبين فيهما.
وثم للتراخي حقيقة أو لبعد المرتبة عما قبل ، والمراد بهؤلاء القوم أهل فارس ، فقد أخرج عبد الرزاق.
وعبد بن حميد.
وابن جرير.
وابن أبي حاتم.
والطبراني في"الأوسط".
والبيهقي في"الدلائل".
والترمذي وهو حديث صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة قال:"تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} الخ فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونون أمثالنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس"