والله تبارك وتعالى أرحم بعباده من أنفسهم وأعلم بما يصلحهم، وهو الذي يربيهم بما ينفعهم، فمتى مال قلب العبد إلى ما سوى الله جعل الله ذلك الشيء منشأ للآفات، فحينئذ ينصرف وجه القلب عن المخلوق إلى الخالق، وفي ذلك سعادته ونجاته وفلاحه.
فآدم - صلى الله عليه وسلم - لما تعلق قلبه بالجنة جعلها الله محنة عليه حتى زالت الجنة، فبقي آدم مع ذكر الله سبحانه.
ولما استأنس يعقوب - صلى الله عليه وسلم - بيوسف - صلى الله عليه وسلم - أوقع الفراق بينهما، حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق سبحانه.
ولما طمع محمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه، فما أوذي نبي مثل ما أوذي، حتى صار اعتماده وتوكله باليقين على ربه وحده، ولم يلتفت إلى ما سواه.
والله تبارك وتعالى خلق السموات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه، وهذا الحق الذي خلق به خلقه.
وخلق الموت والحياة ليبتليهم أيضاً، فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه، وقدر عليهم الموت الذي ينالون به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب.
وزين لهم ما على الأرض من أشياء وشهوات ليبتليهم به، أيهم يؤثر ذلك عليه سبحانه.
وابتلى بعضهم ببعض، وابتلاهم بالنعم والمصائب.
فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجوداً عياناً، بعد أن كان غيباً في علمه لا يعلمه إلا هو.
فابتلى سبحانه أبوي الإنس والجن كلاً منهما بالآخر، فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه، وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه الله منه، فلهذا قال سبحانه للملائكة: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } [البقرة: 30] .
واستمر هذا الابتلاء في الذرية، ولا زال ماضياً إلى يوم القيامة، فابتلى الأنبياء والرسل بأممهم، وابتلى أممهم بهم.
وبهذا الابتلاء والامتحان تظهر الحقائق، ويظهر ما كان كامناً في النفوس ولذا قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) } [الفرقان: 20] .
وقال سبحانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) } [الأنبياء: 35] .