وقيل لجالينوس حين نهكته العلة: أما تتعالج؟ فقال:
إذا كان الداء من السماء بطل الدواء من الأرض، وإذا نزل قضاء الرب بطل حذر المربوب. ومرّ قوم بماء من مياه العرب فوصف لهم ثلاث بنات مطببات وهن من أجل الناس، فأحبوا أن يروهن فحكوا ساق أحدهم حتى أدموها ثم قصدوهن فقالوا: هذا جريح مريض فهل من طبيب؟
فخرجت صغراهن وهي كأنها الشمس الطالعة فلما رأت جرحه قالت: ليس هو بمريض بل خدشه عود بالت عليه حية فإذا طلعت الشمس مات، فكان الأمر كما قالت.
وقيل: دواء كل مريض بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلع لهوائها. وقالوا: من قدم إلى أرض غير أرضه وأخذ من ترابها وجعله في مائها وشربه، لم يمرض فيها وعوفي من وبائها. واحتمى أحمد بن المعدل لعلة أصابته فبرئ؛ فقال: الحمية طالع الصحة لأهل الدنيا تبرئهم من المرض، ولأهل الآخرة تبرئهم من النار.
وقيل: إن الأبدان المعتادة بالحمية آفتها التخليط، والمعتادة بالتخليط آفتها الحمية، لأن الحكماء تقول:
عودوا كل جسد بما اعتاد.
وكان كسرى أنو شروان يمسك عما تميل إليه شهوته ولا ينهمك عليه، ويقول: تركنا ما نحبه لنستغني عن العلاج بما نكرهه. وقال لقمان: لا تطيلوا الجلوس على الخلاء فإنه يورث الباسور. وكانت هذه الحكمة مكتوبة على أبواب الحشوش أي الكنف. وقيل: كفى بالمرء عارا أن يكون صريع مأكله وقتيل أنامله.
فكم أكلة أكلت نفس حر ... وكم أكلة جلبت كل ضرّ
وقيل: من غرس الطعام أثمره الأسقام. وعن بعض أهل البيت النبوي عليهم السلام، أنه كان إذا أصابته علة جمع بين ماء زمزم والعسل واستوهب من مهر أهله شيئا، وكان يقول: قال الله تعالى {وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً}
وقال تعالى: {فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ}
وقال عليه الصلاة والسلام: ماء زمزم لما شرب له. وقال تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
من جمع بين ما بورك فيه وبين ما فيه شفاء وبين الهني المريء يوشك أن يلقى العافية.
وقيل: خمسة من المهلكات: دخول الحمام على الشبع والمجامعة على الشبع وأكل القديد وشرب الماء البارد على الريق ومجامعة المرأة العجوز. وقال: لا تنكح العجوز ولا تخرج الدم وأنت مستغن عن إخراجه. وقال الإمام رضي الله عنه:
توق مدى الأيام إدخال مطعم ... على مطعم من قبل هضم المطاعم
وكلّ طعام يعجز السنّ مضغه ... فلا تقربنه فهو شرّ لطاعم