وقد يحصل هذا من الخلوة لا بذكر الكلمة بل بتلاوة القرآن إذا أكثر من التلاوة واجتهد في مواطأة القلب مع اللسان، حتى تجري التلاوة على اللسان، ويقوم معنى الكلام مقام حديث النفس، فيدخل على العبد سهولة في التلاوة والصلاة ويتنوّر الباطن بتلك السهولة في التلاوة والصلاة ويتجوهر نور الكلام في القلب ويكون منه أيضاً ذكر الذات ويجتمع نور الكلام في القلب مع مطالعة عظمة المتكلم سبحانه وتعالى.
وحكي عن أبي سليمان الخواص قال: كنت راكباً حماراً لي يوماً، وكان يؤذيه الذباب فيطأطئ رأسه؛ فكنت أضرب رأسه بخشبة كانت في يدي؛ فرفع الحمار رأسه إليَّ وقال: اضرب فإنك على رأسك تضرب، قيل له: يا أبا سليمان وقع لك ذلك أو سمعته؟ فقال: سمعته يقول كما سمعتني.
وقد يكاشف الله تعالى عبده بآيات وكرامات تربية للعبد وتقوبة ليقينه وإيمانه.
قيل: كان عند جعفر الخلدي رحمه الله فص له قيمة، وكان يوماً من الأيام راكباً في السمارية في دجلة، فهم أن يعطي الملاح قطعة وحل الخرقة فوقع الفص في الدجلة، وكان عنده دعاء للضالة مجرب، وكان يدعو به فوجد الفص في وسط أوراق كان يتصفحها والدعاء هو أن يقول: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع علي ضالتي.
وسمعت شيخنا بهمذان حكى له شخص أنه كوشف في بعض خلواته بولد له في جيحون كاد يسقط في الماء من السفينة قال: فزجرته فلم يسقط. وكان هذا الشخص بنواحي همذان وولده بجيحون؛ فلما قدم الولد أخبر أنه كاد يسقط في الماء فسمع صوت والده فلم يسقط.
وقال عمر رضي الله عنه: يا سارية الجبل - على المنبر بالمدينة وسارية بنهاوند - فأخذ سارية نحو الجبل وظفر بالعدو؛ فقيل لسارية كيف علمت ذلك؟ فقال: سمعت صوت عمر وهو يقول: يا سارية الجبل.
سئل ابن سالم وكان قد قال: للإيمان أربعة أركان: ركن منه الإيمان بالقدرة، وركن منه الإيمان بالحكمة، وركن منه التبري من الحول والقوة، وركن منه الاستعانة بالله عز وجل في جميع الأشياء قيل له: ما معنى قولك الإيمان بالقدرة؟ فقال: هو أن تؤمن ولا تنكر أن يكون لله عبد بالمشرق - قائماً على يمينه - ويكون من كرامة الله له أن يعطيه من القوة ما ينقلب من يمينه على يساره، فيكون بالمغرب نؤمن بجواز ذلك وكونه.
وحكى لي فقير أنه كان بمكة وأرجف على شخص ببغداد أنه قد مات؛ فكاشفه الله بالرجل وهو راكب يمشي في سوق بغداد فأخبر إخوانه أن الشخص لم يمت.