{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 17 - 18] .
معنى (بِجَهَالَةٍ) أي: من غير قصد لها ولا ترتيب ولا بحث عنها، وإنْ حدث منهم السوء لا يفرحون به، بل يألمون ويندمون، أما النوع الآخر فيرتكب السيئات عن قصد ولا يبالي، وربما فرح بها وجاهر بها.
{كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} * {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}
قوله سبحانه: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [الزمر: 25] أي: من الأمم السابقة {فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ ..} [الزمر: 25] أي: عذاب الدنيا بهزيمتهم ونُصْرة الدين الذي كانوا يحاربونه ويصادمونه، وهذه أيضاً هي التي حدثتْ للكافرين، حيث نصر الله الإسلام، وأظهر مبادئه وقضاياه على مبادئ الكفر، وهذا في حَدِّ ذاته لَوْنٌ من العذاب في الدنيا، فإذا ما عادوا إلى الله في الآخرة كان لهم عذاب آخر أشدّ وأنكى.
إذن: فهم يشبهون من سبقهم من المكذِّبين؛ لذلك قال في موضع آخر:
{كَدَأْبِ ..} [آل عمران: 11] .
لذلك قوله تعالى: (كَذَّبَ) هنا وقوله (كَدَأبِ) هناك يتبين لنا قضية نفسية في القرآن الكريم، هي أن حفاظ القرآن يجب ألاّ يكونوا من العلماء، خاصةً علماء اللغة والفصاحة، لأن العالم إذا وقف في القرآن أمام لفظ أمكنه أنْ يتصرَّف فيه ويكمل قراءته، فيقول مثلاً:
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ ..} [الحجرات: 6] يقول: فتثبتوا أو فتحققوا، ويمكن أنْ يستقيم المعنى، لكن الحق سبحانه يريد لفظاً بعينه لا يجوز أنْ نتعداه إلى غيره، أما الذي تخصص في حفظ القرآن، وليست لديْه ملكَة التصرف هذه، فإذا نسي أو وقف في لفظ وقف (بالأربعة) يعني: لا يمكن له التصرف فيه، وهذا هو المطلوب في حَفَظة كلام الله، وهذه من عظمة القرآن.