لذلك قلنا: إن كمال القرآن لا يتعدَّى، كيف؟ فمثلاً لو أردنا لإنسان أنْ يرقِّق أسلوبه ويُقوِّيه في الأداء الإنشائي ننصحه بأنْ يقرأ كتب الأدب عند المنفلوطي والرافعي وغيرهما، فلما يُكثر من هذه القراءات نلاحظ تحسُّناً في أسلوبه وأدائه.
ثم إن حافظ القرآن المتمكن منه حتى لو حفظه بالعشرة وقِيل له اكتب خطاباً تجده لا يستطيع أن يكتبه فصيحاً أبداً لماذا؟ لأن كمال القرآن لا يتعدَّى إلى غيره، إنما بلاغة البشر تتعدى إلى البشر.
وقوله: {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [الزمر: 25] أي: من حيث لا يُقدِّرون ولا يحتسبون، حيث يداهمهم من العذاب ما لم يكُنْ في حسبانهم، ولم يخطر لهم ببال، كما في قوله سبحانه:
{وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39] أي: فوجئ به، فوجئ بحسبان آخر غير ما كان ينتظر، لأنه كذَّب في الدنيا بالبعث وبالحساب، والآن يُفاجئه الحساب الذي كذَّب به.
ثم يقول سبحانه: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ..} [الزمر: 26] هنا نقل الإذاقة الحسية إلى الإذاقات المعنوية، والخزي والذلة نوع من العذاب، ولها إيلام يفوق الإيلام الحِسِّيَّ، فمن الناس مَنْ لا يؤلمه الضرب، إنما تؤلمه كلمة جارحة تخدش عِزَّته وكرامته.
لكن لماذا أذاقهم اللهُ الخزيَ في الدنيا قبل عذاب الآخر؟ أذاقهم الخزي لأنهم تكبَّروا على الحق وتجبَّروا، وجاءوا بقَضِّهم وقضيضهم في بدر لمحاربة الإسلام، وظنوا أنهم (العناتر) والجولة جولتهم، المراد إذن صناديد قريش ورؤوس الكفر أمثال عتبة وشيبة والوليد وغيرهم، جاءوا بالعدد والعُدة، وما خرج المسلمون لقتال إنما خرجوا للعير، ومع ذلك أعزَّ اللهُ جنده وأخزى عدوه، فقتل منهم مَنْ قتل، وأسر مَنْ أسر وذلّوا، وكان الخزي لهؤلاء أنكَى من القتل.
إذن: كان لهم الخزي في الدنيا، أما في الآخرة فلهم عذاب: {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26] نعم، عذاب الآخرة أكبر من خزي الدنيا وأشدّ {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26] لأن الذين علموا هذه الحقيقة انتهوا وآمنوا، أما هؤلاء فعاندوا وكابروا وكذَّبوا.
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} * {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}