ووجه العدول عن وصفه بالاستقامة إلى وصفه بانتفاء العوج عنه التوسلُ إلى إيقاع {عِوَجٍ} وهو نكرة في سياق ما هو بمعنى النفي وهو كلمة {غَير} فيفيد انتفاء جنس العِوج على وجه عموم النفي ، أي ليس فيه عوج قط ، ولأن لفظ {عِوَجٍ} مختص باختلال المعاني ، فيكون الكلام نصاً في استقامة معاني القرآن لأن الدلالة على استقامة ألفاظه ونظمه قد استفيدت من وصفه بكونه عربياً كما علمته آنفاً.
وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} مثل قوله: {لعَلَّهُم يتذَكَّرُونَ} ، وذُكر هنا {يَتَّقُونَ} لأنهم إذا تذكروا يسرت عليهم التقوى ، ولأن التذكر أنسب بضرب الأمثال لأن في الأمثال عبرة بأحوال الممثل به فهي مفضية إلى التذكر ، والاتقاء أنسبُ بانتفاء العوج لأنه إذا استقامت معانيه واتضحت كان العمل بما يدعو إليه أيسر وذلك هو التقوى.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا
استئناف وهو من قبيل التعرض إلى المقصود بعد المقدمة فإن قوله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} [الروم: 58] توطئة لهذا المثل المضروب لحال أهل الشرك وحال أهل التوحيد ، وفي هذا الانتقال تخلص أُتبع تذكيرهم بما ضرب لهم في القرآن من كل مثل على وجه إجماللِ العموم استقصاءً في التذكير ومعاودة للإِرشاد ، وتخلصاً من وصف القرآن بأن فيه من كل مثل ، إلى تمثيل حال الذين كفروا بحالٍ خاص.
فهذا المثل متصل بقوله تعالى: {أفَمَن شرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ} إلى قوله: {أُولئِكَ في ضَلالٍ مُبينٍ} [الزمر: 22] ، فهو مثل لحال من شرح الله صدرهم للإِسلام وحال من قَست قلوبهم.