{فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} أي: تراه بعد خضرته ، ونضارته ، وحسن رونقه مصفرًّا قد ذهبت خضرته ، ونضارته {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما} أي: متفتتاً منكسراً ، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس {إِنَّ فِى ذَلِكَ لذكرى لأُِوْلِى الألباب} أي: فيما تقدّم ذكره تذكير الأهل العقول الصحيحة ، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على حقيقتها ، فيتفكرون ، ويعتبرون ، ويعلمون بأن الحياة الدّنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة التصرم ، وقرب التقضي ، وذهاب بهجتها ، وزوال رونقها ، ونضارتها ، فإذا أنتج لهم التفكر ، والاعتبار العلم بذلك لم يحصل منهم الاغترار بها ، والميل إليها ، وإيثارها على دار النعيم الدائم ، والحياة المستمرة ، واللذة الخالصة ، ولم يبق معهم شك في أن الله قادر على البعث ، والحشر ، لأن من قدر على هذا قدر على ذلك.
وقيل: هو مثل ضربه الله للقرآن ، ولصدور من في الأرض.
والمعنى: أنزل من السماء قرآناً ، فسلكه في قلوب المؤمنين ، ثم يخرج به ديناً بعضه أفضل من بعض ، فأما المؤمن ، فيزداد إيماناً ويقيناً ، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع ، وهذا بالتغيير أشبه منه بالتفسير.
قرأ الجمهور: {ثم يجعله} بالرفع عطفاً على ما قبله ، وقرأ أبو بشر بالنصب بإضمار أن ، ولا وجه لذلك.
ثم لما ذكر سبحانه أن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ، ذكر شرح الصدر للإسلام ، لأن الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به ، فقال: {أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام} أي: وسعه لقبول الحقّ ، وفتحه للاهتداء إلى سبيل الخير.